يعلم هو بخطئه وقصوره عن مواجهة موسى ورسالته بهذا الأسلوب حاول تجاوز هذا الرأي وإقناع أصحابه بقبول خطته القاضية بتصفية موسى عليه السلام تصفية جسدية ، وطالما يتكرر بصورة مستمرة في الحركات الرسالية الناهضة أن مفجرها يثير الخلاف في صفوف الطواغيت وقراراتهم تجاه هذه الحركات . ولأن فرعون تبنَّى قرار التصفية الجسدية أراد إقناع المخالفين له بصحة رأيه ، وذلك بتبرير أن موسى عليه السلام لم يكتف بقوة المنطق وحسب وإنما تسلح أيضا بمنطق القوة . إذن مواجهته بهذا الأسلوب أمر موضوعي في رأي الطاغوت .
وَلْيَدْعُ رَبَّهُ الذي تحدانا به كثيرا ، وهذا منطق كل الطغاة ، إنه لو كان المؤمنون الرساليون على الحق إذن لكانوا أقوياء ولانتصروا لأنفسهم فعلا ! إلا أن خلط القوة بالحق ، وجعل القوة الظاهرية الآنية مقياسا لمعرفة الحق من الباطل خطأ كبير يقع فيه الطغاة ، لأن الحق قانون لا يتحدد بالقوة والإرهاب ، فقد يكون الحق ضعيفا لعوامل خارجة عن إرادة أصحابه ، وقد يكون الباطل قويا ولكن هذا لا يجعل الباطل حقا والحق باطلا أبدا ، وفيما يلي من الآيات نجد المزيد من البيان في خطأ هذه الفكرة التي يعتمدها الطغاة في تضليل الناس لأن هذه الفكرة من الأسس التي تقوم عليها الأنظمة الفاسدة وتعطي لنفسها - لذلك - حق ممارسة الإرهاب والقمع ، وتبريره بشتى الحجج ، فهذا فرعون يحاول تبرير قراره الإرهابي وتهيئة المعارضين له لقبوله ، بقوله : إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أي أفكاركم وثقافتكم ، وكل أفكار يلتزم بها الناس فهي دينهم ، وتبدل ثقافة الناس من ثقافة التخلف والقبول بالطاغوت إلى ثقافة رسالية حضارية من أشد الأمور خطورة على الطواغيت ، فهم يخافون من حدوث ذلك كما صرح فرعون بنفسه . أوليس النظام الطاغوتي هو إفراز لثقافة المجتمع وبقاؤه يعتمد على سكوته ؟ إذن فأي تغيير إيجابي في هذه الثقافة ، يعني تعريض النظام الحاكم للتغيير أيضا .
وحيث أحس فرعون بخطورة الحركة الرسالية سعى بالإضافة إلى ضغطه على تيارها الاجتماعي ومؤيديها لفصلهم عنها ، وقراره بقتل قائدها ، سعى إلى إثارة الناس ضدها عن طريق الإيحاء لهم بأنها تحارب دينهم وما التزموا به هم وآباؤهم ، هذا فيما إذا سكت فرعون ، أما إذا لم يبادر إلى القضاء على موسى عاجلا فسيستفحل أمره وتكون المواجهة حتمية لاختلاف النهجين في المستقبل وحينها سوف تقع الفتنة بين الناس ، وتسبب في قتل الناس وتدمير اقتصادهم ، ويحتمل أن فرعون يصف مشروع التحرر الذي تتضمنه رسالة موسى عليه السلام بالفساد من حيث إنها تهدم ثقافتهم وأنظمتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي حقيقتها الظلم والاستغلال للمستضعفين . وهكذا صور فرعون لقومه وقال : أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ وهاتان التهمتان هما في عرف السياسيين اليوم أخطر ما يمكن توجيهه للمعارضة وخاصة في البلاد المحكومة بأنظمة استبدادية جائرة ، والقرآن يختصر بهذه العبارات الموجزة
من هدى القرآن — صفحة 226
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٢٦