تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 230

مساهمون:

ص٢٣٠
آراء الآخرين ليس استخدام منطق القوة وإنما استماعها والإصغاء لصاحبها ، فإن كانت خاطئة فليس ذلك مما يضر السلطة إذا كانت على الحق ، وإن كانت صادقة وسليمة فيجب اتباعها والانتفاع بها ، وإلا فإن العاقبة ستكون غير محمودة إذا رفض الإنسان الحق . وَإِنْ يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وهو الذي يتحمل مسؤولية رأيه وموقفه . وَإِنْ يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ هكذا تساءل مؤمن آل فرعون : لماذا تقتلون موسى ؟ فهو إن كان كاذبا لم نخسر نحن شيئا ، وإن يكن صادقا فالأمر خطير بالنسبة لكم ؟ ؟ وكان هذا السؤال كافيا لو انطلق منه فرعون وحاشيته أن يوصلهم إلى الحق ، ولكن الشك المنهجي لا ينفع الذين حجبت شهواتهم عقولهم ، وأرادوا الإسراف في اللذات ثم تبريرها بالأعذار والأسباب الكاذبة . إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ فقلبه متجه إلى الشهوات كلية . كَذَّابٌ يستخدم لسانه في تبرير شهواته ، والخلط بين الحق والباطل وهذه من أخطر المشاكل التي يبتلى بها الإنسان . [ 29 ] ويبين المؤمن السبب الذي جعل فرعون وقومه يكفرون بموسى عليه السلام وهو الخلط بين الحق والقوة ، فقد زعموا بأن ما عندهم من قوة ظاهرة تغنيهم عن البحث الجاد من أجل الوصول إلى الحق والالتزام به . يَا قَوْمِ لَكُمْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فأنتم أصحاب القوة المادية والسيطرة الاجتماعية ، ولا أحد ينافسكم ، ولكن هل تبقى هذه القوة وتستمر ؟ ثم إذا حل غضب الله فهو لا يرد . فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا وبالطبع سوف تكون الإجابة عن هذا السؤال بالنفي ( لا أحد ) . إذن فما قيمة القوى التي لا تمنع عن أصحابها الأذى ؟ وكل هذه الأسئلة والتي ستليها يجمعها سياق واحد هو : محاولة المؤمن من خلالها إثارة الشك المنهجي في النفوس وقيادتها للحق . ولعل المؤمن أفلح في إيجاد جبهتين في صف الحاكمين ، مما دفع فرعون للتدخل من أجل حسم الخلاف وإنهائه لصالحه . قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ قطع عليهم مسيرة الشك المنهجي والتفكير ، قائلا : إنكم لا تحتاجون إلى التفكير ، ولا أن تروا شيئا ، فأنا أفكر وأرى لكم ، ولا أرى إلا الحق ولا أهدي إلا إليه ، فيجب عليكم أن تسلموا لي تسليما مطلقا ، وهذا هو ديدن الطغاة في كل مكان وزمان ، وبالذات في البلاد المحكومة بأنظمة استبدادية جائرة ، التي يعتقد حكامها بأن إعلامهم ورأيهم وفكرهم وحده الذي يجب أن تؤمن به الجماهير ، ومن هنا نهتدي إلى أن فرعون الذي حاربه موسى لم يكن سوى مظهر من مظاهر الطغيان عبر التاريخ . [ 30 - 31 ] وإذا كان كلام فرعون هذا قد أخضع ظاهرا من كان حوله ، فإن المؤمن