كما هو حال سائر الخلق في كونهم من أمره تعالى ، والذي تشير إليه الآية الكريمة إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ يس : 82 ] ، وهذا يعني أن الأنبياء والرسل ليسوا آلهة بما اختصوا به من الوحي إنما هم عباد له تعالى ، وما عندهم من الوحي والمنزلة الرفيعة لم يبلغوه بسعيهم المجرد وإنما بمشيئة الله وحكمته .
وتنفي هذه الفكرة فكرة التكامل الطبيعي عند الإنسان ، التي يدَّعي أصحابها بأن الإنسان يتكامل بطبعه حتى يعرج إلى السماء أو إلى مقام الرسالة والألوهية . بلى ، الإنسان يستطيع أن يهيئ في نفسه أرضية للعروج ، ولكن الله هو الذي يكمله ، وإذا رفعه إلى مقام الأنبياء فليس معنى ذلك أنه أصبح إلها ، أو أنه رفعت عنه المسؤولية . كلا ، والدليل أن نزول الروح على أي إنسان يحمِّله مسؤولية التبليغ لهداية الناس .
لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِي وتلخص هذه الآية كثيرا من العقائد الإسلامية والنظرات الحياتية في القرآن بمفرداتها الأربع :
- رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ .
- ذُو الْعَرْشِ .
- يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ .
يَوْمَ التَّلاقِي ، ويوم التلاق هو يوم يلتقي الإنسان خصومه ، وهو من الأيام الحساسة والمشهودة في حياته ، فيلتقي المستكبر بالمستضعف ، والظالم بالمظلوم ، والغاصب بالمغصوب منه ، والكاذب بمن افترى عليه ، وكل عامل يلتقي يومئذ عمله ، ويلتقي المجرمون الشهود ، والناس جميعا يلتقون بالحساب عند ربهم ، وهكذا يكون يوما عظيما لا بد أن يرهب مقامه ، وينذر به المنذرون .
[ 16 ] ويضيف القرآن مبيِّنا واقع ذلك اليوم العظيم والحاسم : يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ في الدنيا يحاول الإنسان جاهدا إخفاء سلبياته وتجاوزاته لحقوق الآخرين ، وحتى إنه يحاول خداع ذاته ، وإخفاء جرائمه عن ضميره بالتبريرات والأعذار ، وقد يستطيع الهرب من يد العدالة ، ولكن هل يتمكن من مثل ذلك في الآخرة ؟
كلا ، لأن اعتقادات الإنسان وأقواله وأعماله كلها تظهر بارزة يومئذ ولا تخفى منها خافية أبدا كما يقول تعالى : يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ [ الحاقة : 18 ] ، كبيرة كانت أو صغيرة ، وكيف يكون ذلك وقد أوكل الله بكل واحد ملائكة يكتبون له وعليه كل ما يصدر
من هدى القرآن — صفحة 218
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢١٨