ثانياً : إذا كانت العبادة حقا هي الطاعة فإنهم كانوا مطيعين للجن وليس لنا نحن الملائكة .
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً المشركون ومن عبدوهم .
ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ ولعل تقديم المفعول الذي يدل على الحصر يوحي بأن طبيعة العبادة لا تتجزأ ، فلو كانوا يعبدوا الملائكة حقا فلابد أنهم كانوا يخلصون العبادة لهم .
[ 41 ] هنالك انكشف زيف ادعاء المشركين عبادتهم للملائكة إذ . . قَالُوا سُبْحَانَكَ لا يمكن أن نرضى بشريك لك ، فأنت الرب القدوس ، الذي لا شريك له .
أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ ويبدو أن معنى ( الولي ) هو القريب ، فيكون مراد الملائكة : أنت الذي نتقرب إليك ، ولسنا نرضى بقرب هؤلاء الذين لا يسوى ولاؤهم لنا شيئا ، فما قيمة عبادة همج رعاع ، لا يضرون ولا ينفعون ؟ ! .
ونستوحي من هذه الإجابة : أن علينا ألا نرضى بطاعة الناس لنا إذا كانت تسخط الرب ، فإن طاعتهم لا تغني شيئا عن عذاب الرب ، وما قيمة طاعتهم إذا أسخطت ربنا الذي بيده نفعنا وضرنا وهو بكل شيء قدير ؟ ! .
ثم أشارت الملائكة إلى أن عبادة المشركين هي للجن في الواقع .
بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ فالعبادة هي الطاعة ، وبالطاعة تنعكس توجهات المعبود على سلوك العابد ، وبما أن سلوك المشركين المنحرف يعكس توجهات الجن فإنهم كانوا في الواقع يعبدون الجن التي هي الموجودات الغيبية التي يمكن أن تكون منحرفة ، ولذلك أمرنا الله أن نستعيذ به منهم في سورة الناس فقال تعالى : قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ( 1 ) مَلِكِ النَّاسِ ( 2 ) إِلَهِ النَّاسِ ( 3 ) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ ( 4 ) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ( 5 ) مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ [ الناس : 1 - 6 ] .
ثم إن العبادة تعكس عادة صلة العابد بالمعبود ، وصلة هؤلاء كانت مع الجن دون الملائكة ، إذ إن الجن كانت توسوس في صدورهم ، وتدعوهم إلى الضلالة .
أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ فالجاهليون كانوا ينسبون الخوارق للجن ، ويقدسونها ، ولعل تغيير الصيغة من العموم إلى الأكثرية جاء بسبب أن العبادة أشمل من الإيمان إذا فسرناها بالتسليم والطاعة المطلقة ، فكثير أولئك الذين يعبدون السلاطين خوفا وطمعا ولا يؤمنون
من هدى القرآن — صفحة 295
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٩٥