وينسف القرآن هذه الفكرة مرتين :
الأولى : حينما يذكرنا بأن ثروة هؤلاء ليست من أنفسهم ، بل هي من عند الله .
الثانية : عندما يبين لنا بأن مقياس رضى الرب عن الإنسان ليس ما يملك من الثروة ، فرب غني بغيض عند ربه ، ورب فقير مرضي عنده ، إنما الثروة كما السلطة والقوة وسائر النعم الإلهية وسائل لابتلاء الإنسان واختباره في الدنيا .
ثم يوجهنا السياق لاتخاذ الثروة سبيلا لمرضاة الخالق باستخدامها الصحيح ، وإنفاقها في سبيله ، كما يؤكد ذلك بأن ما يعطيه الإنسان في سبيل الله يخلف له بزيادة الخير في الدنيا ، وبالجنان في الآخرة ، ثم بأن ما يملكه الناس إنما هو من الله وليس من عند أنفسهم .
ثم تعالج الآيات فكرة عبادة الأولياء - كالملائكة ، والجن ، والصالحين - من دون الله ، وذلك عبر حوار بين الله وملائكته ، إذ يسألهم : هل كان هؤلاء يعبدونكم ؟ فتنفي الملائكة ذلك ، وتستغفر الله خوفا ورهبة مما يدعيه الناس عنهم أما عن هدف هذه العبادة فهو التهرب من المسؤولية ، والزعم بأن الملائكة سوف ينقذونهم من نار جهنم إن هم عبدوهم .
بينات من الآيات :
[ 34 ] يبدو أن أغلب المترفين - وهم الذين نعمهم الله فأسرفوا - معاندون ، ويكفرون بالرسالات ، بل ويحملون لواء الحرب ضدها .
وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ولعل القرآن عبر في هذه الآية بكلمة قَرْيَةٍ عن المدينة ، بل عن الحضارة بأجمعها ، استصغارا لها ، ولأن من لا يعبدون الله ، ولا يتبعون رسالاته في حياتهم وحضارتهم أقلية وإن كثرت أعدادهم ، ذلك أن القيمة الحقيقية للإنسان كما المجتمع بقربه من الحق أو بعده عنده ، لا بما يملك من تقدم مادي بحت .
[ 35 ] أما لماذا يكفر هذا الفريق فذلك - كما يصرحون أنفسهم - للأسباب التالية :
الأول : كثرة الأموال والأولاد ، ولعل التعبير كما الأموال لا يختص بظاهر الكلمتين إنما تشمل كلمة الأموال كل أنواع الثروة ، كما تنطوي كلمة الأولاد أيضا على الأتباع والمطيعين .
وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلاداً إذ إن أول أهداف الرسل هو تغيير القوة السياسية الحاكمة على الناس ، ولكن المترفين يعارضون ذلك مبررين رفضهم بأن السلطة لا تكون
من هدى القرآن — صفحة 290
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٩٠