أرضية يزعم أنها تمنعه من ربه ، وتخلصه من جزاء كفره ، ثم يستكبر على ربه ، ويتحدى رسالاته ، لذلك يبين السياق بطلان ذلك ، ويصور لنا مشهد الحوار بين الكفار ومن كانوا يعتمدون عليهم في الدنيا في كفرهم بالرسالة ، فيقول : وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يلقي بعضهم المسؤولية على البعض الآخر ، طمعا في النجاة من الذل والعذاب . يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ متصورين أنهم يقدرون على ذلك ، كما هو الحال في الدنيا ، ويتشبث بعضهم وهم المستضعفون بحجة اتباع المستكبرين يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ ولكن هل خلق الله الناس مستكبرا ومستضعفا حتى يكون لبعضهم على بعض سلطان مبين ؟ ! كلا . . بل خلقهم أحرارا ، ولكن خضع بعضهم للبعض الآخر بحريته ، فشجعه على الاستعلاء في الأرض .
ولو عرف الإنسان مدى ضلالة الاعتماد على أولي القوة والثروة وأدعياء العلم والدين ممن ينصبون أنفسهم سادة على الناس ، ويأمرونهم باتباعهم ، لما تورط كثير من الناس في الجرائم ، اتباعا للسلاطين والمترفين ومؤيديهم من أدعياء العلم والدين .
ولكن الإنسان يزعم أن هؤلاء المستكبرين ينقذونه من عذاب ربه يوم القيامة ، كما أنهم يوفرون له بعض الحماية في الدنيا ، ولا يعلم أنهم مجرد ابتلاء له في الدنيا ، وأنهم لا يغنون عنه من عذاب ربه شيئا .
[ 32 ] أما المستكبرون فإنهم من جانبهم يدفعون عن أنفسهم التهمة بأن الإنسان حر ومختار ، لا يمكن لأحد إجباره على نمط معين من الحياة ، وإذا ترك الحق للباطل فبما ينطوي عليه قلبه من النزوع إلى الجريمة .
قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا وهم يحاولون إلقاء المسؤولية عن كاهلهم .
أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنْ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بلى ، قد يتوسل المستكبرون بالمكر والأساليب المضلة ، ولكن يبقى الإنسان صاحب القرار ، وإذا انحرف فلخبث في سريرته ، ولا يعدو إضلال المستكبرين له دور التشجيع بَلْ كُنتُمْ مُجْرِمِينَ .
وهذا ضرب من الشماتة على الإنسان من قبل من كان يزعم أنه يخلصه وينجيه ، ولعل ذلك من أشد أنواع العذاب الذي يلقاه أصحاب النار .
ولو عقل الناس هذه الحقيقة لانهارت أسس الظلم في المجتمعات ، حين يعلو المستكبرون فيها ، ويعيثون فسادا ، ويتبعهم المستضعفون زاعمين أن ذلك يلقي المسؤولية عن كاهلهم ،
من هدى القرآن — صفحة 287
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٨٧