لكل عمل صالح جزاء حسنا يبشر به الرسول ، ولكل جريمة عقابا ينذر به .
[ 30 ] ويبطل السياق هذا التبرير أيضا بأن الجزاء آت ، وأن تأخيره لأجل محدود ، وأنه حين يحين ميعاده لا يتأخر ساعة ولا يتقدم .
قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ وقد أخفى الله أجل الإنسان ، فهو لا يدري متى يوافيه الموت والجزاء ، ولعل أي لحظة يمر بها تحمل في طياتها أجله ، مما يدعوه إلى التسارع والمبادرة لعمل الخير ، والاستقامة عليه . يقول الرسول صلى الله عليه وآله لأبى ذر رضي الله عنه :
( يَا أَبَا ذَرٍّ اغْتَنِمْ خَمْساً قَبْلَ خَمْسٍ شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ وصِحَّتَكَ قَبْلَ سُقْمِكَ وغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ وفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ وحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ )
« 1 » .
ذلك أن الحكمة من إخفاء الأجل هي بعث روح المبادرة في الإنسان ، هكذا يقول الإمام الصادق عليه السلام :
( ثُمَّ
( لو )
عَرَفَ ذَلِكَ
- يعني أجله -
وَثِقَ بِالبَقَاءِ وَانْهَمَكَ فِي اللَّذَّاتِ وَالمَعَاصِي وعَمِلَ عَلَى أَنَّهُ يَبْلُغُ مِنْ ذَلِكَ شَهْوَتَهُ ثُمَّ يَتُوبُ فِي آخِرِ عُمُرِهِ وَهَذَا مَذْهَبٌ لَا يَرْضَاهُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَا يَقْبَلُه
- إلى أن يقول عليه السلام -
فَكَانَ خَيْرَ الأَشْيَاءِ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُسْتَرَ عَنْهُ مَبْلَغُ عُمُرِهِ فَيَكُونَ طُولَ عُمُرِهِ يَتَرَقَّبُ المَوْتَ فَيَتْرُكَ المَعَاصِيَ وَيُؤْثِرَ العَمَلَ الصَّالِح )
« 2 » .
والساعة التي تعنيها الآية الكريمة ليست كما هي عندنا ، إنما هي في عرف القرآن اللحظة وأقل منها . والناس يموتون بين فاتح لعينه وآخر مغمضها . ولا يتأنى لأحد دفع الموت أو تأخيره بل ولا الانتقال من حال إلى حال . إذن لماذا نستهين بالزمن ! ولماذا نقتل المسافة التي تفصلنا عن أجلنا باللهو واللعب والمعصية ، ونحن لا نعرف متى ينتهي هذا الزمان !
[ 31 ] إن من عقبات الإيمان بالرسالة حالة العناد التي يعالجها الذكر ببيان نتائجها السيئة ، فيحدثنا السياق عن كلمة الكفار : بأنهم لا يؤمنون بالقرآن ، ولا بالكتب التي سبقته ، وكأنهم قد عقدوا العزم على هذا الرفض القاطع لرسالات ربهم .
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ والله يعالج مشكلة العناد هذه عن طريق تصوير مشاهد رهيبة من يوم الآخرة .
ومن بين تلك المشاهد التي تتعرض لها آيات هذا الدرس وقوف الظالمين أمام ربهم ، يلوم بعضهم بعضا ، ولعل هذه المعالجة القرآنية تدل على أن الإنسان يعتمد أولًا على قوة
هامش
( 1 ) وسائل الشيعة : ج 1 ، ص 114 .
( 2 ) بحار الأنوار : ج 3 ، ص 82 .