والواقع ، أن الشكر والصبر يشعان من مشكاة واحدة هي التسليم لله ولقضائه ، والإيمان بأنه الواهب المتفضل المنان ، بيد أن الشكر هو تجل لهذه الحالة عند النعمة ، والصبر تجل لها عند النقمة ، لذلك جاء في الحديث عن الإمام الباقر عليه السلام :
( العَبْدُ بَيْنَ ثَلَاثٍ بَلَاءٍ وقَضَاءٍ ونِعْمَةٍ فَعَلَيْهِ لِلْبَلَاءِ مِنَ الله الصَّبْرُ فَرِيضَةً وعَلَيْهِ لِلْقَضَاءِ مِنَ الله التَّسْلِيمُ فَرِيضَةً وعَلَيْهِ لِلنِّعْمَةِ مِنَ الله الشُّكْرُ فَرِيضَةً )
« 1 » .
ولعل أعظم ما في الشكر هو تنمية روح الرضا في النفس بعيدا عن الغرور والفخر والكبرياء ، والنفس الراضية تستدر ثواب الله ، وتسعد في الدنيا .
يروي الإمام الصادق عليه السلام عن الرسول صلى الله عله واله :
( الطَّاعِمُ الشَّاكِرُ لَهُ مِنَ الأَجْرِ كَأَجْرِ الصَّائِمِ المُحْتَسِبِ والمُعَافَى الشَّاكِرُ لَهُ مِنَ الأَجْرِ كَأَجْرِ المُبْتَلَى الصَّابِرِ والمُعْطَى الشَّاكِرُ لَهُ مِنَ الأَجْرِ كَأَجْرِ المَحْرُومِ القَانِعِ )
« 2 » .
ولعل الحكمة في ذلك أن الشكر يزيد في الإيمان بالله ، وبأنه المتفضل المنان ، ويمنع عن صاحبه الغرور ، ويدفعه نحو الالتزام بواجبات النعمة .
هذا عن ثواب الله أما عن سعادة القلب فإن أعظم ما في النعم تحقيق طموحات النفس ، أما لذة الجسد فإنها تتلاشى بسرعة وهي لا تمنح البشر سعادة . أرأيت لو حكم بالإعدام على شخص ثم أوتي أفضل أنواع الطعام ، وهيئت له اللذة الجنسية مع أجمل بنات العالم ، فهل يهنئ بذلك ؟ ! كلا . .
كذلك لو كان القلق النفسي يؤرق الفرد لا يهنئ بلذة جسدية مهما كانت عارمة ومتنوعة ، ذلك أن المهم هو سعادة القلب ورضاه .
فمن كان ينتظر مليون دينار ربحا إذا حصل على نصف مليون تراه آسفا ، أما إذا لم ينتظر شخص ربحا فربح نصف دينار فإنه يعيش الفرح ، كذلك لو تمنى شخص الرئاسة في بلد فقدر له منصب نائب الرئيس لم يتحسس بالسعادة بقدر من لم يطمع في منصب صغير فحصل عليه .
وهكذا الشاكر لأنعم الله يتحسس بالنعم ، ويعرف أنه لم يكن يستحقها إلا بفضل الله ، فهو كمن لا ينتظر أي مكسب بل ينتظر خسارة فيأتيه الربح ، كأنك تراه يسعد به أنى كان ضئيلا .
هامش
( 1 ) وسائل الشيعة : ج 3 ، ص 260 .
( 2 ) الكافي : ج 2 ، ص 94 .