لأن بينهم وبينها حجبا متراكمة ، وإنما القرآن هدى لأنه يثير العقل ، ويرفع الحجب ، فإذا بالقلب المحدود ينفتح على الآفاق الرحيبة .
حقا ما أبعد غور العلم عند المؤمن الذي ينظر إلى الخليقة من دون حجاب ، وبفؤاد فارغ من العقد والأوهام والتمنيات ، فإذا أبصر البدوي الموغل في الصحراء مع سفينته التي يحبها ويرتل لها الأشعار على نغم الحدي فإذا بينه وبين إبله أكثر من مجرد صلة مادية .
هنالك يقول المؤمن : ما شاء الله كيف سخر هذا الحيوان الصبور للبشر ، وجعل أفضل عابر للرمال المتحركة والصحاري القفر .
وإذا رأى رجلا شجاعا يمتطي ظهر جواده في المعركة ، فإذا بالجواد يستجيب لإشاراته الخاطفة وكأنه جهاز إلكتروني حساس ، هنالك يقول : الله أكبر كيف سخر الله لنا هذا الحيوان الذكي ، وما كنا عليه بقادرين .
وحين يجتاز البشر أعمدة القرون ويمتطي صهوة الطائرات الأسرع من الصوت ، والصواريخ الفضائية ذات الوقود الذري ، يقول المؤمن بذات النبرة سبحان الله الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين .
إن من سخر لنا الإبل والجواد هو الذي سخر لنا الحديد والذرة ، وعلمنا كيف نصنع من خردة حديد ، وبضع كيلوات من مادة متفجرة صواريخ مدارية .
إن مثل المؤمن مثل الفنان الذي يقف أمام لوحة بارعة الجمال فتغمر قلبه الحساس موجات من الإعجاب والرضا والانشراح ، بينما الكافر كالأعمى لا تزيده اللوحة إلا ظلاما .
أغلب الناس ينشرحون إذا زاروا لأول مرة مزرعة للورود ، أو حقولا خضراء منبسطة على امتداد البصر ، أو شاهدوا مصنعا عظيما أو إنجازا علميا باهرا ، ولكنهم يعودون بعد لحظات محدودة إلى واقعهم الأول فتشغل قلوبهم الهموم ، ويغرقون في بحر المشاكل الحياتية . أليس كذلك ؟ .
بينما المؤمن يرى كل شيء وكأنه ينظر إليه لأول مرة ، فإحساسه المرهف يجعله أبدا كالقائد العسكري الذي يستعرض جيشه اللجب في يوم عيد ، كذلك المؤمن ينظر إلى الطبيعة من حوله وقد سخرت له كما ينظر ذلك القائد إلى جنده العظيم ، إنه يعيش أبدا كما لو ولد الآن أو جاء من كوكب بعيد ، قلبه بريء ، ونظراته عميقة ، وفطرته نقية .
من هدى القرآن — صفحة 103
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٠٣