عفويا ودونما تكلف ، ونحن لا نستطيع إلا ذم أنفسنا التي اختارت الشقاء ، أما ربنا فإنه يستحق الحمد بكل تأكيد ، فقد خلق الكون برحمته ، وأجرى فيه سننه ، كما أجرى في قلوبنا تيارا من العقل والعلم والإرادة لكي نستفيد مما في الحياة من سنن .
ولكن تبقى مشكلتنا نحن الذين لا نستفيد من تلك السنن ، ولا من هذا التيار الخير ، ولذلك فإن سنة إلهية أخرى سوف تقضي علينا وهي سنة الجزاء التي يؤكدها هذا الدرس .
وحينما يفسد الناس فلا يبقى فيهم من بركات الرسالات الإلهية شيء ، فينتشر الفساد في الأرض ، ولا يبقى إلا لكع ابن لكع ، كما قال الرسول صلى الله عليه وآله « 1 » ، آنئذ يحين موعد الساعة ، وتقوم القيامة ، والتي من علاماتها وأشراطها خروج دابة من الأرض تكلم الناس ، الذين يحشرون يومها على صورة مجاميع ، طيبين وخبيثين ، فتشهد على الخبيثين بأنهم معرضون عن آيات الله كما يشهدون على أنفسهم ، فيبدأ الحساب ثم الجزاء .
ويلاحظ أن القرآن يذكرنا بحكمة الله عندما يتعرض لذكر القيامة ويوم البعث ، فما هي العلاقة بين ذكر الآخرة ، والتذكرة بحكمة الله ؟ .
إننا عن طريق الإيمان بحكمة الله لما نراه من آثارها في كل أجزاء الكون ، نؤمن بالآخرة ، فما دام لكل شيء غاية ينتهي إليها ، إذن فلا بد أن يكون خلق الإنسان لهدف ما ، ولو فكرنا لوجدنا أنه البعث بعد الموت .
ثم يحدثنا ربنا عن بعض آثار الحكمة في الخلق ، فلو نظرنا إلى الجبال لظننا أنها ساكنة لا تتحرك بينما هي تمر في حركتها كالسحاب ، والذي يخلق عالما بهذه الدقة المتناهية ، هل خلقه بعلم أم بجهل ؟ ! .
بالطبع خلقه بعلم ، فهو يعلم أيضا ما نعمله نحن البشر .
ثم تستعرض الآيات بعض مشاهد يوم القيامة ، وتشير إلى جزاء المحسنين الذين يؤمنهم الله من فزع ذلك اليوم - الذي لا يستثني أحدا غيرهم - أما الكفار فإنهم يلقون على وجوههم في جهنم خالدين .
ويخبرهم الرسول صلى الله عليه وآله بأن الله أمره بأن يعبده وهو رب مكة الذي حرمها وله كل شيء ، وأن يتلو القرآن ( الذي كفاه هاديا ) فمن اهتدى فلنفسه ، ومن ضل فعليها ، وليس الرسول
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 22 ، ص 452 : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : «
يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَكُونُ أَسْعَدَ النَّاسِ بِالدُّنْيَا لُكَعُ بْنُ لُكَعَ خَيْرُ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ مُؤْمِنٌ بَيْنَ كَرِيمَيْنِ
» قال المجلسيJ :أي مؤمن بين أبوين مؤمنين كريمين .