فالذي كان يعبد الماء يغرقه بالنيل ، والذي كان يفتخر بالقوة تقتلعه الرياح ، والمتكبر تأتيه الصيحة من فوقه ، والصيحة التي يتحدث عنها هذا الدرس كانت حقاً ، وجاءت لتطبق الحق .
فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً الغثاء هو ما يجتمع حين السيول ، أو وراء حواجز الأنهار . من أوساخ لا ينتفع بها الإنسان ، وهكذا تكون نهاية المتكبرين ، ولن يقرر هلاكهم عطف أحد ، لأنهم ظالمون ، بل تلاحقهم اللعنة ليل نهار فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ .
[ 42 ] والله حين يهلك هؤلاء فإنه لا يعبأ بهم ، لأنهم لم يكونوا يزيدون في ملكه شيئاً ، ولم يحدثوا فراغاً بهلاكهم ، لأن أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ يس : 82 ] . لذلك فقد خلق غيرهم . ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ .
[ 43 ] ولكل أمة من هذه القرون أجل محدود . مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ .
إن يقين الإنسان بأن فرصته في الدنيا محدودة وأنه حين يأتي أجله لا يقدر على تأخيره ، يجعله يخشى ربه ويتقيه ، علماً بأن نهاية الأجل غير معروفة له ، فقد يعاجله العذاب في أية لحظة .
والآيات القرآنية عادة ما تشير إلى الجماعة ( الأمة - الشعوب - الطائفة ، . . . ) لأن الإنسان يتحمل مسؤولية أمام الآخرين . شاء أم أبى .
[ 44 ] وسنة الله في الحياة أنه يرسل إلى كل أمة هادياً ورسولًا . ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا يؤيد بعضهم بعضاً في ذات النهج ، وبالذات الهدف .
كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً كما أن الله يرسل الرسل واحداً بعد الآخر ، كذلك يهلك الأمم المكذبة الواحدة تلو الأخرى وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ والأحاديث جمع أحدوثة ، وليس جمع حديث ، والأحدوثة هي الحادثة النكراء التي تتناقلها الألسن ، وهي عبرة لهم فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ تعساً لهم وإبعاداً عن الرحمة والحق .
[ 45 ] ومن الأمم التي بعث الله إليها الرسل فكذبوهم أمة فرعون : ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ الآيات هي التوراة ، أما سلطان الله عند موسى فهو الثعبان ، وسائر الآيات .
[ 46 ] إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ وهنا مقابلة ، ففي طرف يقف موسى وهارون ، وفي الطرف الآخر فرعون وملأه ، وهكذا أرسل كل الأنبياء إلى طواغيت زمانهم ، ومن يلف لفهم
من هدى القرآن — صفحة 460
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٤٦٠