المشيد « 1 » ، ولعلَّ المناسبة بين هذا التأويل وذلك التفسير ليست مجرد التشبيه ، بل وأيضاً : لأن هلاك الظالمين إنما هو بتعطيل العلم ، وذلك بعدم الاستفادة من العالم الصامت [ الْبِئْرُ المُعَطَّلَةُ ] ولا من العالم الناطق [ الْقَصْرُ الْمَشِيدُ ] .
ترى كيف يصور القرآن هذه الحقائق تصويراً بديعاً بحيث لو أخذت ريشة وصورتها لخرجت مكتملة الملامح معبرة عن الفكرة ، أبلغ تعبير خذ الآن ريشة وحاول أن ترسم قرية خالية بأبنيتها وشوارعها ، ثم ارسم بئراً قد تدلى عليها دلوها وعليها بكرتها ولا أحد عندها ، ثم صوَّر قصراً فخماً مهجوراً ، ثم انظر ماذا ترى ، إنك ترى لوحة تنطق بالموت الرهيب وتعطي للذين غرّهم تقلبهم في الحياة ، العبرة الزاجرة .
حين يعمى القلب
[ 46 ] أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ أي لماذا لا يسيرون في الأرض ، ليعتبروا بآثار السابقين إنهم يسيرون فيها ولكن لا يعتبرون .
فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا قد يكون اشتقاق قُلُوبٌ لغوياً من الفعل ( قلب - يقلب ) أي تقليب الأمر بشتى وجوهه واحتمالاته فيكون مدلول القلب قريباً من مدلول ( الفكر ) ، فيكون معنى الآية : أفلا يتفكرون في الحياة ، ويعقلون حقائقها ، وكيف حلَّ بمن قبلهم لما عصوا وكانوا يعتدون .
والظاهر أن القلب هو النفس البشرية التي ألهمها الرب فجورها وتقواها ، فالتقلب بينهما . ونسبة العمى للقلب في آيات أخرى بمعنى فقدانها العقل . ولعل قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا مثل : آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فقد يكون أذن لا تسمع آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا [ الأعراف : 179 ] ، وكذا يكون قلب غير عاقل .
أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا الإنسان : إما أن تكون له القدرة على فهم الحقائق شخصيًّا ، وإما أن يسمعها ويتلقاها ممن تفكر بها ، لذلك يقول القرآن : فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا بصورة مباشرة ، أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا بالاستفادة من علوم الآخرين وتجاربهم .
فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ حينما لا يوجد عند
هامش
( 1 ) الكافي : ج 1 ص 427 والحديث هو : عن الإمام موسى عليه السلام :
[ الْبِئْرُ الْمُعَطَّلَةُ الْإِمَامُ الصَّامِتُ وَالْقَصْرُ الْمَشِيدُ الْإِمَامُ النَّاطِقُ ]
.