[ 40 ] بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ
أولًا : تأتيهم النار فجأة كما لو كان ذلك من دون سابق إنذار ، لأنهم تعودوا على الكفر بالنذر ، وعدم اتخاذها مأخذ الجد ، فأصبحوا مع مرور الزمن كالجاهل الذي يفتح عينه على الحقية لأول مرة .
ثانياً : إن النار الرهيبة تسبب لهم البهت ، فتسلب عقولهم وتحيرهم ، ثم تكتنفهم بعذابها الأليم .
فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلا هُمْ يُنظَرُونَ إنهم لا يستطيعون دفع العذاب عن أنفسهم ولن يعطوا مهلة أكثر مما أعطوه في الحياة الدنيا ، ولو بمقدار لحظة .
[ 41 ] وَلَقَدْ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ إن الأمم السابقة قد استهزأت بالرسل ، فإذا بتلك الرسالات التي استهزؤوا بها تتحول إلى حقائق أليمة تحيط بهم وتنتقم منهم . ولا يخفى إن ذلك إضافة إلى التعذيب البدني عذاباً نفسياً للكافرين .
ولكن هل الرسالة الإلهية بذاتها عذاب ؟ وهل هي التي تؤدي إلى الضرر الوخيم الذي يصب المعاندين في جهنم ؟ .
بالطبع - كلا - فالرسالة بما فيها من أفكار إنما هي تعبير عن الحقيقة ، وحينما يستهزئ أحد بها فإنه يستهزئ بالحق ذاته ، فحينما أقول لا تأكل هذا الطعام لأن فيه جرثوماً ، فإنَّ هذه الكلمة تعكس حقيقة واقعية ، وعندما تخالف وتأكل منه ، فإنَّ الجرثوم وهو تلك الحقيقة الواقعية ، سيحيط بك ويوقعك في الألم والمعاناة ، لذلك يعبِّر القرآن عن هذه الحالة تعبيراً دقيقاً ، ويقول : فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون القرآن في هذه الآية كما في أكثر آيات سورة الأنبياء ، يكثر من الحديث عن اللعب واللهو ، والاستهزاء والسخرية ، فلماذا ؟ .
السبب هو أن الحديث فيها ، يدور حول المسؤولية ، وهذه الأشياء نقيض لها ، فاللعب ، ولهو القلب ، والاستهزاء بالرسالة ، والسخرية من الرسل ، وبالتالي من الحقائق ، هذه كلها تقتل إحساس الإنسان بمسؤوليته في الحياة .
ولا يسمع الصم الدعاء
[ 42 ] قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنْ الرَّحْمَنِ إن تدبير الحياة بيد الله كما أن تقديرها بيده سبحانه ، فمن الذي يحفظنا ليلًا ونهاراً من أخطار الحياة سوى الرحمن ؟ فهو الذي
من هدى القرآن — صفحة 299
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٩٩