لهواً ولعباً ، فقد حاق بهم ما استهزؤوا به وأزال حضارتهم .
وكثيراً ما نجد القرآن الحكيم يتحدث عن المجتمعات وليس الأفراد ، مما يثير السؤال التالي : ما دامت المسؤولية هي مسؤولية الفرد فلماذا يحدثنا القرآن عنها بصيغة المجموع ؟ .
والجواب : إن ذلك لسببين :
الأول : إن مسؤولية الفرد لا تقتصر على حدود ذاته الضيقة ، وإنما تمتد لتشمل المجتمع الذي يعيش فيه ، لأن أكثر أعمال الناس هي أعمال اجتماعية ، وجزاؤها لابد أن يكون جماعياً أيضاً ، وذلك لطبيعة التواجد في مكان واحد والتفاعل نفسياً ومادياً بين الناس .
الثاني : هو أن جزاء الأفراد - عادة - لا يرى ، إننا لا نستطيع مثلًا أن نحيي شاباً مات في مقتبل عمره لنسأله ما هي أعمالك السيئة التي أدت بك إلى هذه النهاية ، وبالتالي نعرف إن ميتته المنكرة كانت جزاء لانحرافه ، وسوء مسلكه ، أما المجتمعات فأعمالها تكون ظاهرة ، وآثارها واضحة ، لذلك يضرب القرآن بها أمثالًا لنعتبر بها .
إن هذه المجتمعات لم تؤمن بالجزاء ، فاتخذت المسؤولية لهواً ولعباً ، فأحاط بها كفرها حتى أزالها ، وعند ذلك لم تنفعها الآلهة التي اعتمدت عليها من دون الله .
خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ إن تعجل الأمور ، وعدم الاصطبار على الزمن ، هو من طبيعة الإنسان ، ومن العناصر الأساسية في تكوين خلقته .
سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ ستأتي آيات العذاب وسترونها حتماً ، فلماذا العجلة ؟ ! .
[ 38 ] وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ إنهم كلما سمعوا وعظاً وتذكيراً من أحد قالوا أين ذلك الجزاء الذي تعدنا به ؟ ! لو كانوا يعلمون إن الجزاء الذي يستعجلونه شديد ، وإنه حين يحيط بهم لا يمكنهم الفرار منه بأية صورة كانت ، لما لجؤوا إلى السخرية والاستهزاء ولما لووا رؤوسهم معرضين .
جزاء الاستهزاء
[ 39 ] لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمْ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وهما المنطقتان الحساستان من الإنسان ، وفي ذلك إشارة إلى شدة العذاب وإحاطته وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ فلا تنصرهم آلهتهم التي كانوا يعبدونها ويخضعون لها من دون الله .
من هدى القرآن — صفحة 298
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٩٨