[ 85 ] وكان غياب موسى قد ترك فرصة مناسبة للآنتهازيين أن يسعوا إلى مصالحهم .
قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمْ السَّامِرِيُّ يبدو أن السامري كان منافقاً ، وكان يتحين الفرص للقفز إلى أريكة الحكم ، وكانت مجموعة من الانتهازيين وضعفاء النفوس ملتفين حوله ، ولعلهم كانوا يتآمرون مع بعضهم ضد القيادة الرسالية .
والآن حيث تأخر موسى عليه السلام وظنوا أنه قد أدركته الوفاة ، بادروا إلى الفتنة ، لكي يبعدوا الخليفة الشرعي لموسى ، وهو هارون عليه السلام عن السلطة ، فأشاع السامري فيهم أن موسى قد مات ، وصنع لهم العجل كرمز لسلطته ، وأمرهم بعبادته ، مستغلًا حب بني إسرائيل للذهب ورواسب الشرك عندهم ، أو ليسوا قد طالبوا نبيهم بأن يجعل لهم إلهاً حين مروا بقوم يعبدون الصنم ؟
ولعلَّ ذلك كان ضرورة حضارية ، حيث إن موسى عليه السلام قضى على جيوب الفساد عند بني إسرائيل بعد هذه الفتنة ، ولو لم تقع الفتنة فربما كان السامري وقومه ينجحون في مؤامرتهم بعد وفاة موسى عليه السلام .
أما الآن فقد افتضح السامري ، وعاد موسى بكل ما تميَّز به من الحزم والشدة في الله .
[ 86 ] فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً غضبان عليهم ، أسفاً مما حدث .
قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً كالرجوع إلى الأرض المقدسة ، والجانب الأيمن من الطور ، والبركة ، وأن يقيم حضارتكم إن أنتم استقمتم ؟ ! أَفَطَالَ عَلَيْكُمْ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي
بالطبع لم يكن بنو إسرائيل يتحدون الله حتى ينزل عليهم غضبه ، ولكن اتباعهم السامري هو الاسترسال مع الظروف والشهوات ، وهذا يدل على أن البشر بأنفسهم وبمحض إرادتهم يختارون نوع واقعهم ومصيرهم ، والذي يتجسد هنا بغضب الله .
[ 87 ] قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا أي لم ننحرف بكامل وعينا ، وبما نملكه من عقل وإرادة وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا هذا الانحراف جاء من غيرنا ، فالسامري هو الذي جمع لنا الذهب والفضة التي جمعناها من القوم وحملناها وصنع لنا بها عجلًا ، والواقع أنهم حاولوا بذلك تبرير واقعهم الفاسد ورفع المسؤولية عن أنفسهم .
فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ رأس الفئة الانتهازية التي عادة ما تكون موجودة في المجتمعات ، والآية الآتية تشير إلى أن المتورط في عملية الإضلال ليس السامري وحده ، بل
من هدى القرآن — صفحة 233
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٣٣