نرزقك ولداً ، يحمل مواصفاتك ، ورسالتك ، وسوف يقوم بعمل جديد لم يسبقه إليه أحد ، وهذا منتهى رغبة الإنسان في الولد : أن يكون وارثاً له ومكّملًا لخطه ، فإذا قام بعمل إسلامي ولم ينتصر فيه ، فإن ابنه يواصل هذا العمل ، بنفس الاندفاع والحماس الذي كان عنده حتى يكتب له النصر ، وكان زكريا وارث أموال كثيرة عبر زوجته التي كانت من نسل النبي سليمان ( الذي وهب له الله ملكاً عظيماً ، ولم يكن له مثيل ) ، وكان يخشى على هذه الأموال أن تصرف في أي طريق غير طريق الله ، وكان في ذات الوقت الحبر الأعظم ، وخشي أن يرثه في هذا المقام الديني واحد من أولاد عمه غير اللائقين بمقام قيادة الأمة .
وقد استجاب الله له دعاءه ، وآتاه من لدنه فضلًا حيث رزقه يحيى . ذلك الولي الذي ليس فقط ورث أمجاد الماضي التليد ، بل ويفتح عهداً جديداً حافلًا بالمكرمات ، إذ لم يجعل الله له سمياً ، ولعل في الآية إشارة إلى أمرين :
أولًا : إن يحيى عليه السلام سوف يحقق المزيد من الإنجازات ، لا توجد في التاريخ الرسالي السابق له ، بلى ؛ إن يحيى قاوم السلطات الجائرة التي استولت على قيادة النصارى ، وضحى بنفسه في هذا السبيل ، وكان مثله بين أتباع عيسى عليه السلام مثل الإمام الحسين عليه السلام في أمة جده محمد صلى الله عليه وآله .
ثانياً : إن على الإنسان أن يتطلع إلى ولد يرث الماضي ، ويصنع المستقبل كما يحيى عليه السلام .
[ 8 ] قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكَانَتْ امْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنْ الْكِبَرِ عِتِيّاً كيف يكون لي ولد ، بينما الشروط الطبيعية اللازمة غير متوفرة ، فامرأتي عاقر لا تلد أساساً ، وأنا عجوز قد تجاوزت مرحلة الفتوة والشباب كثيرا ؟ ! .
[ 9 ] قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ فالله عز وجل الذي خلق الكون كما خلق القوانين الطبيعية الحاكمة فيه ، وهو قادر على تغييرها حين يشاء بلا صعوبة .
وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً حينما يفكر الإنسان في نفسه : كيف خلقه الله وأوجده من العدم ؟ ! فإنه يدرك أن الله على كل شيء قدير ، وبالتالي يتلاشى تعجبه من بعض الظواهر الغريبة غير المألوفة . فلما سكن روع زكريا ، واطمأنت نفسه قال : آمنت بك ، ولكن كيف أواجه الناس إذا قالوا : من أين أتت هذه الأسرة العجوز بهذا الولد ؟ ! .
حكمة الاعتزال
[ 10 ] قَالَ رَبِّ اجْعَل لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيّاً عادةً ما تكون الآية وجودية كناقة صالح ، وعصا موسى ، أما أن يعتزل الناس ولا يتكلم معهم
من هدى القرآن — صفحة 114
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١١٤