وكان فيها بيان الحاجة الملحة التي هي الأخرى تدل على مدى الالتجاء إلى كهف الدعاء .
ولقد اشتعل رأسه شيبا ؛ وهكذا كان بحاجة إلى من يرث الرسالة التي ولِهَ بها حباً . ولكن دعاء العارف الشاكر إنما هو بعد الثناء على الله سبحانه ؛ وكيف أنه تعالى قد أسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة ، فلم يكن بدعائه شقيا بعدئذ دعا ربه . .
وهكذا توافرت شروط كثيرة للاستجابة ؛ وهي عبرة هنا لنا كيف ندعو ربنا بحيث يكون أقرب إلى الإجابة .
بينات من الآيات :
دعاء زكريا عليه السلام
[ 1 ] كهيعص اختلف المفسرون في هذه الحروف وما ترمز إليه ، وربما كانت إشارة إلى الألفاظ التي تدل على الذكر أو الحديث الذي كان زكريا عليه السلام يناجي به ربه ، وجاء في حديث أن هذه الكلمات رموز إلى أسماء الله الحسنى ، فقد روى سفيان بن سعيد الثوري عن الإمام الصادق عليه السلام - حديثا مفصلا جاء فيه - : [ كهيعص
: مَعْنَاهُ أَنَا الْكَافِي الْهَادِي الْوَلِيُّ الْعَالِمُ الصَّادِقُ الْوَعْدِ ]
« 1 » .
[ 2 ] ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا بين الإنسان وربه خطّان :
1 - خط صاعد : هو : الدعاء .
2 - خط نازل : هو : الوحي السماوي .
وحسب ما أتصوره فإن هذه الآية تشير إلى كلا الخطّين ، فمن جهة ذكر الله لعبده عن طريق الوحي أو الكتاب السماوي ، ومن جهة ثانية ذكر زكريا ربه طالباً رحمته عن طريق الدعاء ، وقد قال المفسرون في معنى هذه الجملة : [ اذكر كيف رحم الله عبده زكريا ] وبتعبير آخر : هذا ذكر عن رحمة الله لعبده زكريا .
[ 3 ] إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً في غمرة الأحداث الرسالية ، والصراعات المبدئية ، لم ينس أن له شعوراً آخر هو الشعور الإنساني ، وأنّ له رغبة أخرى هي رغبته في الامتداد عبر الأولاد ، يحملون رسالته من بعده ، فقد كبت هذا الشعور طويلًا ، وحينما أظهره كان خفياً ، ربّما لسببين :
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 89 ، ص 373 .