تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 98

مساهمون:

ص٩٨
إن النبي يوسف عليه السلام كان صدِّيقاً أيقن قلبه أن جماله من الله ، وهو الذي أعطاه القوة ومكَّنه في الأرض ، وأن من كفر بأنعم الله لا يفلح ، وبسبب إيمانه الصادق بهذه الحقائق ، فقد أدركه في ساعة المحنة إيمانه ، وبلورت المعاناة شخصيته التي عجنت بروح الإيمان والتقوى ، فظهر له برهان ربه وحجته البالغة في لحظة الصراع الشديدة مع طبيعته ومجتمعه المتمثل في قوة ربة بيته أو محيط السجن أو إغراء الملك أو تعقيدات الإدارة الاقتصادية . وهكذا المؤمنون يتذكرون ربهم كلما تعرضوا لتجربة صعبة ، فيتركون المعصية ويتحدون المصاعب ، بينما يغط غيرهم في غفلة وميوعة . وتنتهي قصة النبي يوسف عليه السلام ، وتبقى عبرتها المتمثلة في طبيعة البشر المعاندة للحق ، فأكثرهم - رغم حرص الرسول وأصحاب الحق - ليسوا بمؤمنين ، ويحسبون الدين خسارة ، بينما هو ذكر ، وتوجيه للعاملين إلى الحق الذي غفلوا عنه ( الآيات : 103 - 104 ) . وكم هي الآيات المنتشرة في السماوات والأرض يمرون عليها دون أن ينتفعوا بها ، بل هم معرضون عنها . إن إيمان أكثرهم مخلوط بالشرك ، وبالتالي فهو ليس بإيمان . ولا يُدرى هل هم قد أخذوا صك الأمان من عذاب الله الذي يشملهم إذا جاء ، ومن الساعةالتي تأتيهم فجأة في الوقت الذي هم لا يشعرون ( الآيات : 105 - 107 ) . ولكن الرسول يدعوهم إلى سبيل واضحة هي الدعوة إلى الله على بصيرة ورؤية واضحة له ولمن يتبعه ، وهي بصيرة توحيد الله وتنزيهه عن أي نوع من أنواع الشرك ( الآية : 108 ) . وهذه كانت رسالة الله من قبل ، التي نزلت على رجال من أهل القرى ، فلماذا لا يسيرون في الأرض ليروا ماذا كانت نهاية أولئك السابقين ، وليعرفوا أن الدار الآخرة أفضل للمتقين ، فلماذا لا يعقلون والحقيقة واضحة ( الآية : 109 ) . وقد أرسل الله للناس رجالًا ، فبلَّغوا رسالات الله ، فلم يستجيبوا لهم ، حتى إذا بلغوا درجة اليأس ، وظنوا أنهم قد كُذبوا فعلًا ، جاءالنصر الإلهي ، فنجّى ربنا من شاء ، بينما لم يستطع أحد ردّ بأسه سبحانه عن المجرمين ( الآية : 110 ) . وإن هذه هي عبرة قصص السابقين التي لم يستوعبها سوى أولي الألباب والعقول ، وليس حديثاً يمكن أن يُفترى ، إنما هو كلام حق يصدق الأحاديث السابقة ، ويفصل كل شيء ، ويهدي المؤمنين ( الآية : 111 ) .