وهكذا يُنْهي القرآن سورة هود ببيان ضرورة التوكل على الله ، وقد دارت أكثر آياته حول هذا المحور العام .
بينات من الآيات :
سُنَّة الصراع
[ 118 ] الصراع سنة الحياة التي يجب البحث أبدا عن سبل إنهائه ، ولكن لا ينبغي السأم منه ، أو الالتفاف حوله خشية مجابهته ، فهو كالموت المعلق يمكن تجنبه ، كالتخلف والمرض ، وكالفقر وككل المشاكل الحضارية للبشرية التي يجب السعي من أجل تخفيف وطأتها أنى استطعنا من دون السأم منها .
( وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ) فلو شاء الله لخلق الناس مؤمنين منذ البدء كما خلقهم خلقا سويا ، فجعل لهم عينين ولسانا وشفتين ، ولكنه اركز فيهم قوتين مختلفتين ( وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ) [ البلد : 10 ] . وكلفهم باقتحام العقبة بأنفسهم ( فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ) [ البلد : 11 ] .
( وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ) دون أن يكون الاختلاف مطلوبا من الله ، ولكن ضعف العقل الذي لم يقسم بين العباد أقل منه ، وقوة الشهوات التي زينت لهم كل ذلك يكرسان الاختلاف فيهم .
[ 119 ] ويبقى الناس مختلفين إلا الذين رحمهم الله بهداه فانتفعوا به ، واعتصموا بحبله جميعا ، فألف بين قلوبهم بدينه ونوره ، لو أنفقنا ما في الأرض جميعا ما ألفنا بين قلوبهم .
إذن فالوحدة هدف إنساني سام يسعى من أجله البشر ، وهو في ذات الوقت غاية الخليقة ، فالله لم يخلق الناس ليعذبهم بل ليرحمهم ، ويجعل بعضهم أخوة بعض ، ولكنه سبحانه حملهم مسؤولية تحقيق هذا الهدف التشريعي السامي بعد أن هيأ لهم كل أسباب تحقيقه ، من رسل وقادة وكتب وشرائع .
( إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ) أما إذا استمروا في ضلالتهم ، وخالفوا الشريعة فإن الله سوف يعذبهم عذابا شديدا لأنهم لم يتحملوا مسؤوليتهم .
( وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) إذن الصراع طبيعة أولية ، والوحدة غاية تشريعية ، والاختلاف واقع فاسد يجب إزالته ، وإلا فالنار جزاء آت لا ريب فيه .