لم يكن لكم دين فلا أقل من التمسك بالعرف الذي ينكر طبيعيا اغتصاب الضيوف ( أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ ) .
[ 79 ] وكان جواب قومه بالغا في الميوعة والرعونة : ( قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ ) أي فيما يتصل بقضية البنات ، لابد أن نتزوجهن والزواج حق نعمل به ونمشي على هداه ، أما الآن فنحن نريد تلك اللذة التي لا توجب علينا تكاليف ومسؤوليات ( وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ ) .
ربما كان قوم لوط قد استصعبوا قوانين الزواج على أنفسهم واستكثروا من أعبائها المالية ، مما دفعهم إلى إشباع الغريزة بالشذوذ ، وربما كان لوط يدعوهم إلى التخفيف من قيود الزواج مما قد يدل عليه قوله عليه السلام : ( هَؤُلاءِ بَنَاتِي ) وقولهم : ( مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ ) .
[ 80 ] وقطع لوط أمله منهم ، واستبد به اليأس من كل شيء ، وقال بكلمات تتفجر أسى ( قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ) تمنى لو كانت لديه قوة قادرة على مواجهتهم ، أو كانت لديه عشيرة تمنعه منهم .
أليس الصبح بقريب
[ 81 ] هكذا اشتدت الأزمة وضاقت عليه المشكلة ، وعندها ترجى رحمة الله ، وهكذا أظهر الضيوف الذين حاول الجاهليون الاعتداء الخلقي عليهم ، أظهروا واقعهم وبينوا أنهم ملائكة الله ( قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ ) .
وجاءت الأوامر متلاحقة صارمة :
ألف : ( فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنْ اللَّيْلِ ) بعد أن يسدل الليل ستاره ويذهب ردح منه وتهجع العيون ، وتأوي النفوس إلى مضاجعها .
باء : ( وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ ) لا ينظر إلى ما وراءه ليعرف كيف سيكون حال قومه ، بل يبقى منفصلا عنهم نفسيا لكي لا يشاركهم العذاب ، ولذلك أصاب امرأة لوط ما أصابهم من العذاب بسبب انتمائها النفسي والقلبي إليهم .
ثم جاء الأمر الإلهي الصارم على لسان الملائكة ( إِنَّ مَوْعِدَهُمْ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ) .