في البدء يرتجف الإنسان ويصعق ، ثم يستوعب الصعقة وهكذا المؤمنون فهم يخرون أولًا لقوة النور ، وما يلبثون أن يتعودوا على قوة النور ، فيخرون خشوعا لله سبحانه .
توحيد الله
[ 110 ] ( قُلْ ادْعُوا اللَّهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ) كتب العلامة الطباطبائي في تفسير الميزان « 1 » بحثا مطولًا في هذه الآية فقال ما محتواه : أن البوذيين والمجوس وغيرهم من اتباع الأديان ، ومن تأسى بهم يعتقدون أن لله مظهرا وجوهرا ، وأن مظهر الله يختلف عن جوهره ، فمظهره هي أسماؤه وهي منفصلة عن جوهره ، أو بمعنى آخر منفصلة عن ذاته ، ويعتقدون بأن الله أجل من أن يسمى بهذه الأسماء ، وأسماؤه إنما هي الملائكة ، فكل ملك من الملائكة يحمل صفة من صفات الله ، فأحد الملائكة يمثل العلم ، وآخر يمثل العزة ، وآخر يمثل القدرة ، فهم يعبدون الملائكة ويجسمونها بتجسيمات مختلفة ، وبالتالي فهم لا يعبدونها إلا لتقربهم إلى الله زلفى ، فصنعوا لله ثلاثمائة وستين إلها ، كل إله يختلف عن الآخر ، فجمال الله يختلف عن عمله وعلمه يختلف عن جلاله ، وجلاله يختلف عن قدرته وهكذا . .
هذه هي الوثنية ، أما عقيدة التوحيد فترفض ذلك وترى أن أسماء الله تشير إلى الحق الواحد فالله رحيم عزيز ، وبيد أن العزة والرحمة تشيران إلى ذات واحد ، وهكذا جبار وكريم ، ورؤوف . . إلخ ، وهذه الأسماء مجرد آيات تشير إليه سبحانه فعندما نقول : سميع بصير ، فهو سميع بصير بدون آلة سمع أو بصر ، وقد قال الشاعر :
عباراتنا شتى وحسنك واحد * وكل إلى ذاك الجمال يشير
قال كفار قريش عن الرسول صلى الله عليه وآله مرة : انظروا إلى هذا الصابئي يأمرنا أن نعبد إلها واحدا وهو يعبد إلهين ، يقول : الله ، الرحمن ، فجاءت الآية لتقول : سواء قلت الله أو الرحمن أو الرحيم أو الواحد أو القهار فإن ذلك يدل إلى شيء واحد ، وأن الأسماء الحسنى كلها لله وهي ليست بعيدة عنه ، فهي صفات له ، وهي غير ذاته . جاء في الحديث عند سؤال هشام بن الحكم الإمام الصادق عليه السلام عن اشتقاق كلمة ( الله ) فقال له :
( يَا هِشَامُ ! ( اللهُ ) مُشْتَقٌّ مِنْ ( إِلَهٍ ) وَ ( الإِلَهُ ) يَقْتَضِي مَأْلُوهاً ، وَالِاسْمُ غَيْرُ المُسَمَّى فَمَنْ عَبَدَ الِاسْمَ دُونَ المَعْنَى فَقَدْ كَفَرَ وَلَمْ يَعْبُدْ شَيْئاً ، وَمَنْ عَبَدَ الِاسْمَ وَالمَعْنَى فَقَدْ كَفَرَ وَعَبَدَ اثْنَيْنِ ، وَمَنْ عَبَدَ المَعْنَى دُونَ الِاسْمِ فَذَاكَ التَّوْحِيدُ ، أَ فَهِمْتَ يَا هِشَامُ ؟ )
قَالَ : فَقُلْتُ : زِدْنِي ، قَالَ عليه السلام :
هامش
( 1 ) تفسير الميزان : ج 3 ص 241 .