إنه سوف يخلق بشرا ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ) وعرف الملائكة طبيعة هذا الخلق كما جاء في سورة البقرة . إنه ما دام من الطين فلا بد أن يفسد في الأرض .
المرحلة الثانية
[ 29 ] ولكن الله أنبأهم أن له طبيعة أخرى يستحق بها السجود والخضوع تلك هي روحه الإلهية ( فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ) ويبدو أن التسوية هي تكامل جميع الأعضاء ، وتعادل الغرائز وهذه مرحلة تسبق مرحلة بث الروح .
[ 30 ] أما الملائكة التي هي الأرواح المطيعة لربها ، المكلفة بتسيير الخليقة حسبما يأمرها جبارها ، فإنها سجدت لآدم لمكان الروح التي نفخت فيه من الله ( فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ) .
وكما استوحينا من آية في سورة البقرة « 1 » : إن الملائكة ترمز إلى قوى الطبيعة التي سخرت للبشر ، بينما بقيت قوة في الطبيعة وهي قوة نفس الإنسان ( الأمارة بالسوء ) الموكل بها إبليس .
[ 31 ] لذلك لم ينضم إبليس إلى مجموعة الساجدين متعمدا وعن سبق إصرار ( إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ) .
[ 32 ] لم يرضَ الرب بذلك ، بل نهره قائلا : ( قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ) .
فقوى الشر ليست ضمن برنامج السماء ، ولا هي مقضية من قبل الرب على البشر إنما هي شذوذ عن سنة الله ، وتمرد مؤقت على إرادته ، ولذلك ينبغي ألا يستسلم لها البشر ولا يعترف بشرعيتها ، ويناضل ضدها أبدا حتى ينتصر عليها بإذن الله .
[ 33 ] وتعليل إبليس كان أسوأ من عمله . إذ زعم أنه أفضل من آدم ، وأخطأ مرتين :
الأولى : حين أعتقد أن ابن النار أفضل من ابن التراب ، وأعتقد أن أفضلية المخلوق هي بأصله ، لا بعلمه وبفوائده .
الثانية : حين تمرد على أوامر الله ، اعتمادا على هذا الزعم ، فحتى لو كان أفضل من آدم - جدلا - فإن سجوده بأمر الله ليس سجودا لآدم - في الواقع - بل لمن أمره وهو الله . إن طاعتك مثلا للنبي أو الإمام ليست طاعة له في الواقع بل لله ، وإن تسليمك لأوامر قيادتك الإلهية ليس تسليما لبشر ، بل لمن أمرك بذلك .
هامش
( 1 ) راجع تفسير الآية 34 من سورة البقرة .