إن الفرق بين من يؤمن بالله وبين من لا يؤمن به كالفرق بين البصير والأعمى ، والنور والظلمات ، والمؤمن عندما يتصل بالله يتحول من لا شيء إلى شيء ، ولأن الله مهيمن على كل شيء وخالق كل شيء وبه تقوم الأشياء فإنه كلما كان الإيمان أعمق كلما كان الإنسان أكبر .
إن الله سبحانه رازق كل شيء ، فمثل رسالته كمثل غيث ممطر من السماء على الأرض فتستقبله الأودية ليروي الزرع والضرع ، ويجعل الأرض مخضرة ، ويزيل شوائب الحياة ( الزبد ) ولكن الإنسان بدل أن يهتم بالماء نجده يهتم بهذا الزبد الطافح عليه ، ألا يدل ذلك على قصر النظر ؟ ! فليس النفع في الزبد ولكن النفع في الماء ، والزبد هو الشيء الظاهر ، والإنسان يبحث غالبا عن الظاهر ، وهو عادة يحب المظاهر ، فالزبد يمثل متع الحياة الدنيا وليست الحياة الدنيا بأفضل من الزبد ، بل هي والزبد سواء .
بينات من الآيات :
الخضوع بين الطوع والإكراه
[ 15 ] ( وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً )
( مَنْ ) اسم موصول للعاقل ، ويبدو أن المراد منه هنا مطلق الأشياء . وذلك لأن ما نسب إليه هو فعل العقلاء فلله يسجد من في السماوات والأرض من الكائنات كالحيوان والإنسان ، وغيرهما مما لا يعلمه إلا الله ، إنما تسجد لله خاضعة له بإرادتها فإن لم تسجد لله طوعا أسجدها الله له كرها ، والسجود بالنسبة للمكرهين تعبير عن الخضوع لأمره ، فهذا الإنسان محكوم بقوانين وضعها الله له في كل جوانب حياته ، وبعد مماته .
( وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ ) الغدو صباحا مع شروق الشمس ، والآصال مساء عند غروب الشمس ، وهذا تعبير عن حركة الأرض حول الشمس ، والغدو والآصال هو بداية ونهاية نشوء الظل ، فالظل يبتدئ طويلا فيأخذ بالقصر حتى منتصف النهار ، حيث ينعدم ويبدأ في الطول ، حتى ينعدم نور الشمس ، فهو يبتدئ طويلا ، وينتهي طويلا ، وينعدم فيما بينهما . وهكذا تخضع الظلال لحركة الشمس المسخرة بدورها لله سبحانه . أفلا يدلنا ذلك على سجود الطبيعة لله .
[ 16 ] ( قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ اللَّهُ ) ليس العجب في الظل بل في منشأ الظل ، فكما قلنا : إن منشأ الظل هو دوران الأرض حول الشمس ، إذن فالعجب كل العجب في هذين الخلقين السماوات والأرض ، من ربهما ومسيرهما ؟ بالطبع هو الله وحده .