( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا ) عليهم - لكي يفهموا الحقيقة - ألّا يكتفوا بالجلوس في بيوتهم والاكتفاء بأفكار السابقين أو ثقافة الوسط الاجتماعي بل عليهم أن يتحركوا ، وأن يسيروا في الأرض وليكن سيرهم وبحثهم بهدف الوصول إلى الحقيقة لينظروا نهاية المجتمعات الهالكة ( كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) فقد كانت عاقبتهم الدمار بسبب تكذيبهم بالرسالات أما الآخرة فإنها - بالطبع - ليست من نصيب الكافرين ( وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ ) .
[ 110 ] وهلاك الكفار والمكذبين لم يكن من دون سابقة إنذار ، بل لقد استنفذ الرسل كلما كان بوسعهم في سبيل دعوتهم ، وصبروا على أذاهم ، وبلغ بهم الأذى درجة اليأس ( حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا ) جاء في التفاسير : أي تيقن الرسل أن قومهم كذبوهم تكذيبا عاما حتى أنه لا يصلح واحد منهم . . وقال بعضهم : معناه ظن الأمم إن الرسل كذبوهم فيما أخبروهم من نصر الله إياهم وإهلاك أعدائهم . . وروي عن ابن عباس قال : ( كانوا بشرا فضعفوا ويئسوا وظنوا أنهم قد أخلفوا ثم تلا قوله تعالى : ( حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ ) . . قال الطبرسي : وهذا بعيد وقد بينا ما فيه ) « 1 » .
( فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ) .
[ 111 ] إن المقتطفات من تاريخ الرسل وقومهم يمكن أن تأخذنا إلى ما وراءها من أنظمة اجتماعية وتكشف عن طبيعة التحولات التاريخية ، ولكن بشرط واحد وهو أن يكون الإنسان عاقلًا ، ويهتم بجوهر القضايا ( لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ ) وبالتالي ليس العبرة التاريخية مما يمكن ان يفترى ، لأنها إشارة إلى حقائق خارجية يمكن لكل إنسان أن يعرفها لو استخدم عقله أو حتى شعوره . مثلا لو أشار أحد إلى الشمس أو إلى الجبال والبحار ، وقال أفلا ترونها كيف أنها جميلة ومنظمة . فهل يمكن أن يقال له بأنك كذاب ؟ ! . الشمس يراها الفرد بذاته ، ويشعر بجمالها ، ويعقل نظامها بمجرد التفكير فيها ، وليس بما يقوله الآخرون ، وهكذا آيات القرآن إشارات واضحة إلى ما في الكون ذاته من حقائق .
( مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ ) إنما القرآن يفصل الحقائق التي يراها الفرد بإبهام ( وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) يعرفهم بحقيقة الأشياء ويوفر لهم النعم بهذه المعرفة .
وهكذا تنتهي سورة يوسف المليئة بالعبر التاريخية والتي كشفت خبيئة النفس البشرية بما تمتلك من عقل وإرادة وعلم تجلت عند يوسف ، أو من حسد وكبر وحيلة تجلت عند اخوته .
هامش
( 1 ) مجمع البيان : ج 2 ص 271 .