تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
فعلنا مثله مع يوسف فتعهدنا وأخلفنا ، ولا يمكن أن نكرر الأمر ، وإني سأبقى هنا وأنتظر أمر الله ، فإما يأذن لي أبي أو يأذن لي ربي . ( فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ ) قيل : ( ويئس واستيأس بمعنى واحد ، مثل سخر واستسخر وعجب واستعجب ) « 1 » . ولكن يبدو أن اليأس هو : العلم الصادق بعدم فائدة المحاولة بينما الاستيآس هو الظن بذلك الذي يداخله الضعف النفسي للبشر ، وإذا كان هذا المعنى صحيحا فإن ذلك يعني أن إخوة يوسف كانوا غير مستقيمين نفسيا بسبب الجريمة السابقة التي ارتكبوها بحق أخيهم ، ولذلك فهم يأسوا سريعا . . ( خَلَصُوا نَجِيّاً ) أي انفردوا عن الناس حتى أصبحوا خالصين من دون غريب يشاركهم الأمر ، وهدف خلوصهم وانفرادهم كان النجوى ، وهنا من أبلغ ما نفهمه من آيات القرآن في أناقة الظاهر وعمق الباطن ، وتنوع المعنى . ( قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنْ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ ) أي بعد أن أخذ أبوكم منكم موثقا أيضا . ( فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ) أي حتى يأذن لي صاحب الحق أو صاحب التشريع ، وهكذا تجلت في أخيهم الأكبر روح المسؤولية ، وظهر أنه تاب إلى ربه توبة نصوحا . [ 81 ] وأمرهم روبين وهو أكبر الأخوة بالعودة إلى أبيهم ، وبيان كل الحقيقة له ومن دون إضافة آرائهم إليها ، قال لهم : ( ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ ) ولكن دون أن تؤكدوا التهمة ، بل قولوا لأبيكم أيضاً . ( وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا ) إذ رأينا أنهم أخرجوا السقاية من وعائه ، ولم نشهد بأكثر من هذا ( وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ ) لم نكن حافظين لما يجري في الواقع ، ولذك لا نعرف هل سرق أخونا أم لا ، ولعله تهمة ، يبدو أن ههنا اعتراف بالتفريط الحاصل منهم بشأن أخيهم حيث قبلوا من دون تردد تهمة السلطات ضد أخيهم وذلك بسبب سوء ظنهم به وبأخيهم يوسف من قبل . [ 82 ] وبإمكانك أن تسأل المجتمعين ببلد مصر ، أو تسأل العائدين من هناك ( وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا ) أي أهل القرية ، ( وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا ) أي : أي مسافر قادم مع قافلتنا ( وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ) .
هامش
( 1 ) مجمع البيان : ج 5 ، ص 437 .