قاموا بها بحق أخيهم يوسف ظل يلاحقهم ، فإذا بهم حساسون من إلصاق أية تهمة بهم خشية أن يفضح أمرهم ، وإذا بهم لا يزالون يبررون بيعهم لأخيهم الحر بأنه كان قد سرق ، فاستعبد وبيع جزاء سرقته ، وكانت التهمة شديدة الوقع على قلب يوسف ولكنه ملك نفسه ، ولم تظهر على ملامحه آثار الغضب ( فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ ) ولكنه اكتفى بتأنيبهم على ذكر أخيهم بسوء ( قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَاناً ) ويطرح المفسرون هذا السؤال : ماذا كان التبرير الظاهر ليوسف حينما قال لهم : ( أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَاناً ) ؟ فأجاب بعضهم : إن هذا القول أسره يوسف في نفسه دون أن يبديه لهم ، وبعضهم قال : بل ظهر للناس الشقاق القائم بينهم وبين أخيهم بنيامين مما كان يكفي لتأنيبهم ، وربما كان يوسف يذكرهم بأن جفاءهم لأخيهم هو السبب في سرقته لو أنه فعلا ارتكبها ، ولكنه هز ضميرهم بقوله : ( وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ ) وإنه هل هو فعلا صحيح أم لا ؟ وبالتالي هل قد سرق أخوه أم أن ذلك ليس سوى تهمة ؟ ، فلماذا يتسرعون في التأكيد والتعريض بيوسف ويتبرأون من أخيهم ؟ .
[ 78 ] وتذكروا موقفهم مع أبيهم يعقوب ، واكتشفوا أن مصيرهم بالتالي مرتبط بمصير أخيهم ، فأخذوا يتضرعون إلى عزيز مصر بأن يعفو عن أخيهم أو أن يأخذ أحدهم مكانه .
( قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ ) وهكذا يتردد البشر بين حالتين متناقضتين ، فبين أن يتهم الأبرياء بالسرقة وبين أن يفدي بنفسه في سبيل الوفاء بعهده .
[ 79 ] أما يوسف عليه السلام الذي رتب كل تلك الخطة للإبقاء على أخيه عنده ، فرفض العرض ( قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظَالِمُونَ ) وذكَّرهم بذلك أن الإحسان يجب ألا يمنع تنفيذ القوانين السائدة . وألا ينقلب إلى ظلم ، فالإنسان يحسن في إعطاء ماله وما هو أولى به ، ولا يحسن في أموال الناس وحقوقهم ، ولذلك جاء في الإسلام :
( وَلَا شَفَاعَةَ فِي حَدٍّ )
« 1 » .
الموقف المسؤول
[ 80 ] ألحوا على يوسف - عبثا - بترك أخيهم بأية وسيلة ممكنة ، فلما بلغوا حد اليأس اجتمعوا إلى بعضهم يتناجون فقال كبيرهم واسمه روبيل كما يقال ، وهو ابن خالة يوسف وهو الذي نهاهم من قتله من قبل قال لهم : إننا قد عاهدنا الله عند أبينا ألا نفرط في أخينا ، وقد كنا
هامش
( 1 ) قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام قال : « يَا عَلِيُّ لَيْسَ عَلَى زَانٍ عُقْرٌ ولَا حَدَّ فِي التَّعْرِيضِ ولَا شَفَاعَةَ فِي حَدٍّ » . وسائل الشيعة : ج 28 ص 205 .