النار وصاحب المؤمنين الجنة .
[ 114 ] نعم إن الاستغفار يجوز للمشرك وذلك بطلب الهداية له من الله سبحانه ، كما كان الرسول صلى الله عليه وآله يكرر هذه الكلمة في المواقف الحرجة من حياته الرسالية
( اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ )
« 1 » ، وكما كان إبراهيم عليه السلام وعد أباه ان يستغفر له قال : قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً ( 47 ) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيّاً [ مريم : 47 - 48 ] .
ذلك لأنه كان يسعى آنئذ نحو هداية قومه وإخراجهم من ضلالتهم ، أما بعدئذ حينما تبين له أن أباه وقومه أعداء لله وأن شركهم ليس لجهلهم بل للعناد والتحدي ، هجرهم وتبرأ منهم وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ .
[ 115 ] والله كذلك لا يأمرنا بمقاطعة المشركين فورا ومن دون سابق تبشير وإنذار ، إنما علينا أن ندعوهم إلى ا لهدى بكل وسيلة ، ومنها الدعاء لهم بالهداية ، فإذا عاندوا تركناهم وتبرأنا منهم ، كما أنه سبحانه لن يضل الناس بعد أن هداهم ، وكشف لهم تفاصيل الشريعة .
وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ إن هدايته إما تكون بالفطرة حيث خلق الله الناس وأركز في أنفسهم معرفته وزودهم بالعقل ليعرفوا الحق ، أو تكون بالرسالة حيث بعث أنبياء ليهدوهم ، فلما أهتدوا وأنعم الله عليهم بالرخاء طغوا ونسوا ما ذكروا به ، هنالك يضلهم الله ويسلب منهم نعمة الهداية التي سبق وأنعم بها عليهم فلم يراعوها حق الرعاية ، وأهملوا السنن التي بينها لهم ، وأهملوا المحرمات التي أمرهم الله تعالى باتقائها واجتنابها حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُون أي الذنوب التي يجب اجتنابها إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فهو عليهم بأسباب شقاء الإنسان ، وكيف يجب اتقائها ، وعليم بواقع ذلك القوم الذي لم يجتنب الذنوب وارتكب أسباب الشقاء ، لذلك فلما يضلهم ، يضلهم بعلم سبحانه .
[ 116 ] كذلك يجب ألا ينتمي الإنسان إلى قرابته بل إلى الله ، فلا يستغفر للمشركين من أقاربه ، لأن الله له ملك السماوات والأرض وأسرة الفرد لا تغني شيئا عن الله إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْيِ وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 11 ص 298 .