يبتلعها لقمة لقمة ، ويسهل على غول التخلف الاقتصادي أن يلتهم سعادتهم ورفاههم .
إن مصادر الطاقة والمعادن والأراضي الزراعية ، والموقع الإستراتيجي في وسط العالم ، والتراث الحضاري والألف مليون إنسان كل هذه القوى لم تكن قادرة على بناء حضارتنا في العصر الحاضر ، ونخشى أن يبقى الوضع هكذا في المستقبل . لماذا ؟ .
لأن الإنتماء إلى الذات أشد من الإنتماء إلى الرسالة ، وحين يكون الإنتماء إلى الرسالة ضعيفاً فإن الرؤية تكون محدودة ومسجونة في جدران الذاتية المغلقة ، ولذلك أكدت الآية الكريمة على أن الإنتماء إلى الذات وإلى المصالح الذاتية سيكون سبباً للضلالة لأنه فسق .
وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ وحين يكون إنتماء الفرد إلى ذاته ومصالح ذاته ، فإن ممارسته ستكون أيضاً خاطئة ويكون فاسقاً ، وحينئذ يرى العالم بنظارة ذاته فلا يراه على حقيقته فتنزل عليه الكارثة .
دروس من حنين
[ 25 ] وكمثل على هذه الحالة الشاذة يقص علينا ربنا قصة المسلمين في حنين ، حيث توكل المسلمون على كثرة عددهم لا على ربهم وتضحياتهم فانهزموا لَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ مثلا في يوم بدر ، حيث كان المسلم يقتل أباه وأبنه لأن التجمع الرسالي كان أمتن من الولاءات الأسرية أو الذاتية ، وجاء في الحديث أن أبو الحسن الجواد عليه السلام قال :
( إِنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ :
لَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ
فَعَدَدْنَا تِلْكَ الْمَوَاطِنَ فَكَانَتْ ثَمَانِينَ )
« 1 » .
وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً لأن الكثرة غير المتماسكة لا تغني شيئاً ، إذ كل فرد يفقد إرادته وعزيمته وخلوصه ، اعتماداً على الكثرة ، وكل فرد أو فئة أو حزب أو طائفة أو عشيرة تفكر في مصالحها تفكر في أن تكون التضحيات من غيرها وتكون المكاسب لها .
وهكذا كانت الكثرة العددية للمسلمين اليوم غير نافعة لأنها كثرة كمية فقط ، وفاقدة للوحدة الحقيقية ، وهكذا تجد الأرض المقدسة في فلسطين بيد الأعداء برغم اهتمام الجميع بتحريرها .
هامش
( 1 ) الكافي : ج 7 ص 463 .