تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 101

مساهمون:

ص١٠١

كذب واستكبار

[ 134 ] ولقد أتم الله حجته على آل فرعون بتلك المصائب التي توالت عليهم ، إذ أن البلاء يكشف الحجب الكثيفة التي يجعلها الفرد على عينيه مثل : التعصب ، والحقد ، والحب المفرط ، ولكن إذا انكشف البلاء عادت الحجب ، وعادت مشكلة الجحود . وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمْ الرِّجْزُ وهو العذاب الآتي بسبب الانحراف ، والشذوذ في الطبيعة أو في السلوك قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إن نظرتهم المادية الضيقة لم تزل لاصقة بأذهانهم ، إذ أنهم لا يزالون يزعمون أن الهدف من بعثة موسى هو الانتفاع من وجوده في كشف الضر عنهم ، ولم يفقهوا دور المعنويات في حياة البشر ، وأن رسالات الله تنفع البشر في رفع معنوياتهم ، ووضع برامج صائبة لهم ، وليس فقط في دفع البلاء الذي يصيبهم بسوء أعمالهم ، أما آل فرعون فقد كانت نظرتهم إلى الدين وإلى حاملي رسالته كنظرة كثير منا حيث نريد الدين لمصالحنا الذاتية لذلك قالوا : لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ والرجز يكشفه الله بالتوبة والعمل الصالح ، ولكنهم نسبوا الأمر إلى موسى عليه السلام لقصر نظرهم لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ . [ 135 ] ولكن هل كانوا يصدقون ؟ كلا . . فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمْ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ عهدهم ويعودون إلى سابق كفرهم وجحودهم ، وعند ذاك تكتمل حجة الله عليهم ، إذ لا يمكنهم في يوم الانتقام التعلل بأنهم إنما كفروا غفلة أو جهلا ، فقد عرفوا الحقيقة ولجأوا إليها ، وتعهدوا بالوفاء لها عندما أحاط بهم البلاء ، والآن ينقضون العهد ، وهذه التجربة يمر بها كل فرد وكل مجتمع ، حيث أن الله سبحانه يأخذ البشر بالبأساء والضراء لكي يرفع عن أنفسهم حجب الغفلة والنسيان ، ولكي يحتج عليهم لو عادوا إلى الكفر بعد الإيمان في أوقات العسرة .

سوء المصير

[ 136 ] وحان ميعاد الانتقام ، وأغرق الله آل فرعون في البحر بسبب تكذيبهم بآيات الله ، وبالتالي بالحقائق التي وراءها ، وبسبب غفلتهم عنها وعن دورها في سعادتهم وخلافتهم فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ . [ 137 ] وكما انتقم الله من آل فرعون لتكذيبهم بآيات الله ، أنعم الله على بني إسرائيل لتصديقهم بها ، وأورثهم الأرض المباركة ذات الخيرات الوفيرة وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا
من هدى القرآن — صفحة 101 | السيد محمد تقي المدرسي