التفسيرات الباطلة وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ فموسى عليه السلام لا يزال عندهم ذلك الساحر العليم الذي يعرف كل وسائل السحر ، وهدفه ليس هداية البشر بل تسخير الناس لأهدافه الخاصة ، لذلك فهم مصرون على الكفر به ، وبآياته أنى كانت واضحة .
وهذه المرحلة السحيقة من الكفر هي أخطر دركات السقوط ، حيث يصنع الفرد لنفسه تابوتا من المسلمات الفكرية ويصمم على الاحتفاظ بها أنى كان الثمن ، إنه عين الضلالة وقمة التعصب الأحمق .
على الإنسان أن يبقى أبدا مفتوح العين ، يقظ الضمير ، نابه الروح ، ولا يقتل وجدانه تحت مطرقة شهواته ، ولا يعمي عينه بمسامير بغضه وحقده ، ولا يميت ضميره بحب أو بغض .
إن كثيرا منا يزعم أنه إذا فتح عينه مرة واحدة ، واتخذ طريقا لنفسه يستطيع أن يبقى على ذات الطريق إلى الأبد ، ويستغني عن عينه ، ولكن كلا . . إن عقل الفرد يتكامل ، وروحه تكبر حتى تتسع لمزيد من الحقائق ، وفكره ينمو ، والعالم يتغير ، وآيات الحقيقة تترى . . ولذلك فعلى الإنسان أن يبقى أبدا على يقظة وانتباه ، ويستغل كلما لديه من وسائل اكتشاف الحقيقة من عقل وضمير .
[ 133 ] ولأن آل فرعون افقدوا أنفسهم نعمة البصيرة ، واختاروا التفسير الخاطئ لكل الحوادث ، فان الآيات المختلفة التي توالت عليهم لم تزدهم إلا رسوخا في الكفر ، وتوغلا في الجحود ، لذلك أرسل الله عليهم الطوفان ففاضت أوديتهم حتى دخل الماء بيوتهم ، فنصبوا الخيام في الصحراء ، ثم أرسل الله عليهم الجراد فأكلت محاصيلهم الزراعية ، وانتشر فيهم القمل ، والحشرات ، والضفادع التي توالدت بسرعة في برك الماء المكونة من الفيضانات ، وابتلوا بالدم ربما بسبب الرعاف أو بعض الأمراض الآتية بسبب بعض الجراثيم ( كما قال بعض المفسرين ) ولكن كل ذلك لم ينفعهم علماً وهدى فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وتَعَالوا عن الحقيقة ، وزعموا أن ذواتهم هي أعلى من الحقيقة ، وأرادوا تغيير قوانين الكون حسب أهوائهم ، لا تزكية ذواتهم حسب أنظمة الكون وَكَانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ حيث إنهم ظلموا أنفسهم باستكبارهم عن الحقيقة ، إن تقدم البشر في أي حقل من حقول الحياة إنما هو رهن بمعرفة أنظمة الكون ، واستغلال هذه المعرفة من أجل تسخير الحياة ، وتبدأ مسيرة القهقرى حين يستهين بهذه الأنظمة ، ويتعالى عنها فيظلم نفسه بذلك .
من هدى القرآن — صفحة 100
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٠٠