تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 425

مساهمون:

ص٤٢٥
وتهدينا إلى السبيل الأقوم . والقرآن الحكيم يذكر هذه الأسماء ، بعد أو قبل أن يذكر الآيات التي تدل عليها ، والبصائر المستلهمة منها ، والسلوك المعين التي تستوجبها . والواقع أن هذا المنهج القرآني يعطي البصائر والرؤى الحياتية ركيزة عقلية ، كما يعطي الأفكار أبعاداً واقعية ، ونتائج سلوكية ، وبالتالي يجمع هذا المنهج بين العقل والواقع والسلوك مما تتكامل به الشخصية البشرية . وهنا يذكرنا القرآن باسمَي ( الغني والرحمة ) وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ وعند البشر لا يجتمع الغنى والرحمة عادة لأن الغنى عند الإنسان مصدره الغير ، فيخشى البشر من فقدانه فيبخل به ، بينما غنى الله مصدره القدرة المطلقة على الخلق ، كما أن رحمته محدودة بحكمته لا تدعها تنفلت عن إطار العدالة . إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ وهذا دليل على غناه ورحمته معا ، فلولا قدرته ، وبالتالي غناه عنكم لما كان قادراً على تعويضكم وتبديلكم ، ولولا رحمته لفعل ذلك أول ما ظلمتم أنفسكم ، وهذا دليل قدرته ، وأيضاً إن رحمة ربنا محدودة بإطار حكمته ، انه فعل ذلك حين كان من قبلكم آخرون فذهب بهم وأتى بكم . كَمَا أَنشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ وعندما يتذكر البشر بهذه الحقيقة يرزق الرصانة في التفكير ، والواقعية في الرؤية ، والاستقامة في السلوك ، أما رصانة الفكر فلأنه يعلم أن القدرة المهيمنة على هذا الكون الرحيب غنية عنه لكنها رحيمة به ، فعليه ألا تستبد به الخفة والتكبر والغرور ، وأما واقعية الرؤية فعليه ألا ينظر إلى حقائق الحياة على أنها ثابتة أبداً ، أما استقامة السلوك فلأنه يتمتع بالخوف والأمل ، الخوف من استبدال الله له بالآخرين ، والأمل في رحمته ، وبين الخوف والأمل يستقيم سلوك البشر . التسليم أو العاقبة [ 134 ] وما دام البشر عاجزا عن توقيف مسيرة الزمن ، أو منع العاقبة السؤى التي ينذر بها ، وما دام عاجزا عن سلب قدرة الطرف الثاني وإعجازه ، فعليه أن يسلم للحقيقة ولا يتكبر عنها إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ . [ 135 ] وينذر الله الظالمين حين يقول : إن للحرية الممنوحة لكم وللقدرات المخولة لكم حدودا تقف عندها .