حقيقة التبديل
يبدو لي أن تبديل حكم مثل القصاص في المجتمع يعتبر ظلماً اجتماعيًّا ، لأنه يقضي على العدالة والمساواة في المجتمع ، ولكن هذا التبديل إذا كان في مستوى التشريع وقام به العلماء والأمراء فهو كفر كما سبق في الآية السابقة ، بينما إذا كان تبديل حكم مثل الصدق والوفاء والأمانة وسائر المواعظ الموجودة في الإنجيل ، فهو فسق كما يأتي في الآيات التالية .
الإنجيل صنو التوراة
[ 46 ] وأرسل الله عيسى ابن مريم ( عليه السلام ) يتبع آثار النبيين السابقين في خط الهي واحد لا ينحرف وصدق عيسى برسالات الأنبياء ، وجاء بالمزيد منها ، فمثلًا في الإنجيل الذي كان فيه - كما في التوراة - هدى يهدي الناس إلى سبيل السلام كما كان فيه نور يثير دفينة العقل ، ويستجلي غبار الضمير ، ويبلور قيم الفطرة ، حتى يرى الناس بأنفسهم السبل التي هداهم إليها الله برسالاته .
وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ أي جعلناه يقفو ويتبع أثر الأنبياء ( عليهم السلام ) .
مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وهذا يدل على وحدة الرسالة الإلهية ، وتكاملها مع الأنبياء ( عليهم السلام ) وضرورة احترام أهل الكتاب وكان الإنجيل يحمل بين دفتيه تصديقاً بما تقدمه من كتب وفيما بينها التوراة ، ويضرب الأمثال الواقعية ليتذكر الناس وليتعظوا وليعتبروا .
وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ إذا اتقى الفرد أولا أقل أراد أن يكون بعيداً عن الشر استمع إلى الموعظة واستفاد منها ، اما الشقي فإنه يصم عن المواعظ .
[ 47 ] وإذا كانت رسالات السماء واحدة مع اختلاف بسيط في التفاصيل التي بالرغم من أهميتها من الناحية التشريعية ، إلا أن الأحكام اللاحقة تنسخ الأحكام السابقة لأنها أولى بالظروف المتجددة وهي بالرغم من ذلك غير هامة ، إذا لاحظنا محتوى الرسالات وروحها التوحيدية ، وأهدافها السامية من الإطارات والطقوس ، وكذلك إذا لاحظنا هذه الحقيقة وهي أن خضوع البشر لرسالات السماء يجعله يقترب شيئاً فشيئاً إلى الإيمان بها جميعاً ، فمن آمن واقعاً بروح رسالة الله الهابطة على موسى وعيسى ( عليهما السلام ) لا يمكنه الكفر برسالة محمد ( صلى الله عليه وآله ) ، لإنهما تصدران من منطلق واحد وتشعان من مشكاة واحدة ، لذلك أمر الله أهل الكتاب باتباع رسالاتهم وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ .
من هدى القرآن — صفحة 235
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٣٥