فالقلب اللين كأرض لينة تنبت الزرع ، وتستجيب للعمران .
أما إذا جهلت الحياة ، ولم تؤمن بالله ، ولم تع الأخطار التي تهددك ولم تعرف المنافع التي يمكن أن تأتيك فإن قلبك يقسو ويصبح صلباً لا يتحرك لرجاء ولا يهتز لخوف ، إنك تشعر وكأن الكون جامد من حولك ، وأن ما عندك من خير ونعمة لا يزول أبداً ، وأن ما بك من نقص أو عجز لا يزول أبداً ، فلماذا الخوف إذن ؟ ولماذا الرجاء ؟ ولماذا التفكير الموضوعي ؟ ، وبالتالي لماذا التحرك والنشاط ؟ .
القلب القاسي يقبع في زنزانة الذات ، ولا يرى سبباً لمعرفة الحياة ولا للتوافق مع سنتها وحقائقها ، إذ أنه لا يخاف ولا يرجو ، ومن هنا فإنه يستهين بالعلم ويستخف بالحق وبرسالات السماء بل ويلعب بها حسبما تملي عليه أوهامه .
إنه يحرف كلام الله لأنه لا يرى قيمة لكلام الله ، ولا يشعر بأنه هو الذي يجلب الخير إليه ويدفع الضر عنه ، ذلك لأنه أساساً لا يعقل زوال الخير عنه ، ولا خطر نزول الضربة .
من هنا لعن الله اليهود بقسوة القلب فحرفوا كلام الله يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ يحرفون كل كلام عن موضعه الصحيح ، ويضعونه في موضع آخر إما بتحريف الكلمة ذاتها مثل ما فعلوا بما يخص بشارة نبوة نبينا محمد ( صلى الله عليه وآله ) فغيروا فيها بحيث لا تتوافق ودلائل بعثته ، أو بتأويل الكلمة إلى غير معانيها الأصلية .
لقد قالت اليهود : إن كل ما جاء في التوراة من ذم الربا والسحت وأكل أموال الناس بالإثم والعدوان ، إنها جميعاً تختص بعلاقة اليهود ببعضهم ولا تشمل علاقة اليهود بغيرهم من الأميين حيث زعموا أنه يجوز الاعتداء عليهم .
وبذلك حرفوا الكلم النازلة حول هذه الموبقات عن مواضعها الصحيحة ، وهي علاقة الناس ببعضهم ( اليهود وغيرهم ) إلى مواضع أخرى تتوافق مع أهدافهم الخبيثة .
ولم يكتف اليهود بتحريف الكلم ، بل وحرفوا بعض بنود الرسالة لأنهم حين قست قلوبهم لم يعطوا للرسالة قيمة فحرفوا منها ما خالف أهواءهم ، ولم يقل القرآن حذفوا قسماً من الرسالة بل قال : وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ لأن الرسالة باقية لا تتغير ، ولا يقدر أحد أن يحذف منها شيئاً بل هم الذين نسوا وبالتالي ابتعدوا عن بعض بنود الرسالة .
ثم عبر القرآن بكلمة حَظّاً عن جانب للدلالة على أن القسم الذي نسوه من الرسالة كان بالتالي في صالحهم كسائر أقسام الرسالة .
من هدى القرآن — صفحة 200
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٠٠