إلى الرسغ ، هل يفهم من ذلك أن الغسل يبدأ من الرسغ ، فلا يتصور الابن أن والده أمره بأن يقلب كفيه حين يغسل ؟ أوليس إذا أمرت الصباغ بأن يصبغ غرفتك إلى السقف ، أولست تضحك عليه إذا رأيته يأخذ بالصبغ من أسفل الغرفة صاعداً إلى السقف ، بل قد تنهاه عن ذلك لأنه يسبب تشويه الغرفة ، فإذا قال لك أنت أمرتني بأن أصبغ إلى السقف ، أولًا ترد عليه بأني إنما أردت أن يكون نهاية المقدار المصبوغ عند السقف ؟ ! ولم أرد أن يكون أسلوب الصباغة من تحت إلى فوق . . إذ أن الأسلوب شأنك أنت وليس من شأني . . وأنت تعرفه جيداً .
كذلك الأمر هنا ، حيث العرف يعرف كيف تغسل الأشياء ، ولكن على الشريعة أن تحدد لهم فقط المقادير .
كيفية المسح
وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ أي امسحوا بجزء من رؤوسكم فتدل الباء هنا على ضرورة مسح جزء من الرأس ، أما الرجل فبالرغم من أنها هي الأخرى يمسح عليها ولكن القرآن جعل الكلمة منصوبة من ناحية الإعراب وَأَرْجُلَكُمْ بفتح اللام لماذا ؟ لأنه لو جعلها مجرورة أَرْجُلِكُمْ بكسر اللام اذاً لكان تقديره ب - [ أَرْجُلِكُمْ ] ومن الطبيعي أن هناك اختلافاً كبيراً بين المسح بالرجل والمسح بالرأس ، فالمسح بالرجل يعني عند العرف جعل الرجل أداة للمسح كأن نقول : امسح برجلك الأرض فقد قال الله تعالى : ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ [ ص : 42 ] .
بيد أن الرأس لا يصبح أداة للمسح فلا يتصور أن يكون معنى امسح برأسك أي اجعل رأسك أداة للمسح بشيء آخر ، بل يتبادر إلينا معنى ( البعضية ) أي امسح بعض رأسك .
من هنا كان من البلاغة أن يفتح كلمة ( الرجل ) ليكون المعنى ( اْمْسَحُواْ أَرْجُلَكُمْ ) فيجعل لفظ أرجلكم معطوفاً على محل بِرُءُوسِكُمْ وليس على لفظه ، أو يقدر له كلمة امسحوا بدلالة السياق . ولو قال القرآن : ( اْمْسَحُواْ أَرْجُلَكُمْ ) لكنا نتساءل أي شيء نمسحه بأرجلنا ، وكأن الأرجل أداة للمسح . والكعبان هما قبتا الرجل .
التيمم
وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا أي اغتسلوا .
وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ
من هدى القرآن — صفحة 190
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٩٠