تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣
وهذا هو الذي ندعو اليه . . التبصُّر في الدين لمعرفة ما خفي علينا من أحكام من خلال تلك الحِكَم التي بيَّنها ربنا في كتابه . سنن الله . . حكم الشرائع وإذا تدبّرنا أكثر فأكثر في جملة الكتاب الكريم لوجدنا إنّ ربنا سبحانه يبيِّن فيه سننه في الخلق ، التي هي أصول الحكمة ، والحقائق التي تنتهي إليها علل الشرائع . كيف ذلك ؟ دعنا نفصل القول في ذلك . القرآن كتاب الخليقة الناطق عنها ، والمذكِّر بحقائق الكائنات وبعلاقاتها وبِعِبَرِها وبقوانينها العامة ، وآفاق حركتها . ربنا يبيِّن في كتابه ما هو هذا العالم الذي يحيط بنا ؟ وما هي أهداف خلقته ؟ ونحن مَنْ ؟ وما هي غاية خلقتنا ؟ كما يبيِّن سنن الله التي أجراها في الخلق . . مثلا سُنّة الصيرورة ، سُنّة الزوجية ، سُنّة التطوّر ، سُنّة الهلاك ، سُنّة الصراع ، سُنّة المسؤولية والجزاء . وحينما يذكِّر بسننه التي تلتصق أكثر فأكثر بحياتنا ، يُفصِّل القول فيها تفصيلا ، ويبصِّرنا بأنفسنا وما تعمل فيها من شهوات عاصفة ، وأهواء جامحة ، ونوازع فطرية خيّرة ، ويضرب لنا من كل شيء مثلا ، ويقصّ علينا عِبَر الغابرين ، ويحدّثنا عَمَّن نجا كيف نجا ، وعَمَّن هلك لِمَ هلك ؟ . وأحكام الشريعة مطابقة لسنن الله في الخلق . . إنّها الحق كما الخلق حق ، فهي تعبيرات عن سنن الله في الكائنات . فحين يأمرنا الله بتحدي الطاغوت وتجنّبه ، فهذه شريعة إلهية مطابقة لسُنَّةٍ بيَّنها ربنا سبحانه عبر قصص الذين اتبعوا الطاغوت فدمرهم الله شر تدمير . وحين يأمرنا باتباع رسل الله وطاعة أوليائه ، يسوق لنا مثلا للذين آمنوا من واقع المؤمنين الذين اتّبعوا النبي نوحاً عليه السلام فنجّاهم الله من الطوفان ، ومثلا للذين كفروا من واقع الذين كفروا فأغرقهم الله . فكل حُكْمٍ يتبع حِكْمَةً ، وكل حكمة تتصل بسُنّة ، وقد بيَّن الله الحُكْم ، وعلَّم حكمته ، وذكَّر بسُنَّته . ولنضرب مثلًا قرآنيا من سورة الزمر ، وكيف نهى الله عن اجتناب الطاغوت فقال
من هدى القرآن — صفحة 83 | السيد محمد تقي المدرسي