تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 418

مساهمون:

ص٤١٨
وحتى داخل المجتمعات الصغيرة بل داخل تجمع صغير لو سادت هذه المبادئ لكانت وسيلة للتلاحم الأكثر ، والإنتاج الأفضل ، لو سادت قيمة المساواة أمام القانون ، وقيمة التوحيد وعدم الاعتقاد بأية قيمة أرضية باطلة ، وقيمة الحرية وعدم الاستعباد . إن هذه الآية تجسد جوهر سورة آل عمران . . فهي دعوة إلى الوحدة وعلى أساس الحق وبناء التجمع التوحيدي الذي يتمحور حول الحق وينبذ القيم الباطلة . [ 65 ] حين رفعت الآية السابقة لواء المساواة وعدم استعباد فريق لفريق ، فإنها تضمنت دعوة صريحة لنبذ صنمية وعبادة الأشخاص ، والتمحور حولهم ومحاولة الانتساب إليهم . تلك الحالة التي تقف أمام وحدة المجتمع البشري ، كما أنها تعترض طريقه نحو التقدم والصعود ، حيث يفقد البشر قدرته على الإبداع . وثقته بذاته من أجل التقدم . وضربت هذه الآية مثلا على ذلك من واقع إبراهيم عليه السلام ، حيث حاول اليهود والنصارى الارتباط به ، والاختلاف عليه ، ومحاولة كل فريق دعم فريقه باسمه ، متناسين أن عظمة إبراهيم لم تكن بسبب عنصره المتفوق ، أو بسبب والده أو قومه أو إقليمه ، بل لأنه سلَّم نفسه لله وأخلص في التوحيد . ولو أنهم اتبعوا ملة إبراهيم في التوحيد ، لوحدتهم تلك الملة ، بدل أن تفرقهم ، ولما فكروا تفكيرا حزبيًّا ضيّقاً ، ولم يحاول كل فريق أن يكون لجماعته أشد من انتمائه للحق ، يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتْ التَّوْرَاةُ وَالإِنجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ إن عليكم أن تجعلوا إبراهيم رمزا للوحدة ، لا سببا للتفرقة والجدل الطائفي بينكم ؛ ذلك لأن الاختلاف جاء بعد إبراهيم لا قبله . [ 66 ] ثم يتابع القرآن حديثه ويقول : إن التعصب يدعو صاحبه إلى العمى ، حيث إنه لا يفكر تفكيرا علميًّا ، بل يحاول إثبات جانبه بأي ثمن ، فإبراهيم كيف يمكن أن يكون يهوديًّا واليهودية متأخرة عنه ؟ أم كيف يكون مسيحيًّا ؟ . هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ والأفضل أن نوحد الله ونسلم له حتى نبتعد عن العصبية الطائفية ، ونستفيد من العلم والعقل . [ 67 ] من كان - إذن - إبراهيم ؟ إنه كان عبدا لله ولم يكن منتميا لطائفة أو عنصر . وبذلك أصبح عظيما مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ