الذي يقدره اليوم الملايين ؟ ! أما عند الله فهو نبي وجيه ، ومن الأنبياء أولي العزم ، الذين فضلهم الله على العالمين وجعلهم مقربين إليه سبحانه .
[ 46 ] وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنْ الصَّالِحِينَ فهو لا يدعو الناس فقط ، بل ويدعو نفسه إلى الله ، ويعبد الله سبحانه بإخلاص .
[ 47 ] قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
مريم الصديقة ارتاعت وامتلكها التعجب والدهشة ، كيف يرزقها الله ولدا ؟ ! وهكذا كانت القضية غيبية ، متصلة بإرادة الله ، ولم تكن طبيعية مرتبطة بسمو مريم إلى درجة الألوهية ، أو سمو عيسى إلى هذه الدرجة . وإلا فإن العملية لم تكن عجيبة بالنسبة إلى مريم نفسها .
إنما كانت خلقة الله لعيسى تماما كخلقته لكل شيء في الكون ، لم يكن ، ثم كان بإرادة الله ، وبكلمته لها كُنْ ، فهل صحيح أن نقول : إن الله ولد الأشياء لمجرد أنها لم تكن ، ثم كانت ؟ ! كذلك غير صحيح أن نتصور عيسى ابنا لله لمجرد أنه وُلِدَ بصورة غير طبيعية .
[ 48 ] وعيسى لم يكن إلها ، بل بشرا علمه الله الأسماء ، ولو كان ذا طبيعة إلهية ، إذن لما احتاج إلى تعليم الله له ؛ لأن من يتصف بالألوهية يعلم الأشياء ذاتيًّا ، أما عيسى فقد أعطاه الله من علمه بقدر ما شاء .
وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ لعل الكتاب هو الدستور الثابت المتصل بالرؤى العامة في الحياة . أما الحكمة فهي التشريعات العملية الخاصة ذات الصبغة التطورية ، والكتاب كان يتمثل في التوراة ، أما الحكمة فكانت موجودة في الإنجيل .
[ 49 ] وبعد أن علمه الله الكتاب والحكمة ، اختاره نبيا ، وأعطاه صفة الرسالة عطاءً ، دون أن يمتلكها ذاتيًّا ، كما يمتلك أحدنا - مثلا - عينه .
وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وليست الآية مني بل من الله وأنا واسطة نقل فحسب ، وهكذا لم تكن معاجز عيسى دليلا على أنه ابن الله ، إذ كانت تلك المعاجز في الواقع من الله وإنما ظهرت على يد عيسى ، كما أن العين مثلا آية عظيمة من آيات الله ، ولكنها تظهر في جسدي وجسدك . فهل هي دليل على أننا آلهة ( سبحان الله ) .
من هنا نجد كلمة بِإِذْنِ اللَّهِ تتكرر في المقطع التالي ، للدلالة على أن كل تلك المعاجز هي من الله أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنْ الطِّينِ تمثالا واجعله كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ
من هدى القرآن — صفحة 408
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٤٠٨