لقد عجزت كل الأقاويل التي حاولت تفسير ظاهرة القرآن ، لأنه وحي من الله فلا هو بقول شاعر يسبح في غمرات أحلامه ، ولا هو بقول كاهن يتخرص فيقول كلاما مجملا لا يعني من ورائه شيئا . هكذا يقول القرآن : فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ ( 38 ) وَمَا لا تُبْصِرُونَ ( 39 ) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ( 40 ) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ ( 41 ) وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ « 1 » .
وجاء القرآن ليتدبر فيه الناس ، شريطة أن يفكوا عن قلوبهم أقفالها ليروا الحقيقة مباشرة : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا « 2 » . ومن يتدبر في القرآن يعرف أنه من الله ، لأنه لا اختلاف فيه : أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً « 3 » . والقرآن موعظة يهز أعماق الضمير ، والقرآن شفاء يطهر الصدور من الحقد والحسد والعقد : يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ « 4 » .
والقرآن كتاب الله الذي أعجز الخلق عن أن يأتوا بمثله : قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً « 5 » .
وفي القرآن من كل مثل عبرة ، ومن كل سبيل منار ، ومن كل علم درس ، ولكل خير قدوة ، ولكل معروف وسيلة . يعطي لكل حادثة مثلا سابقا ، ولكل ظاهرة قانونا عاما ، ولكل مشكلة طارفة حلا واقعيا تليدا : وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً « 6 » .
والقرآن آيات مبينات ، القرآن مثل من واقع التأريخ الغابر للحاضر وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنْ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ « 7 » . ولو أن القرآن أُنزل على الجبال لخشعت ، لان القرآن يذكر الإنسان بالله الذي يخشاه كل شيء لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ « 8 » .
هامش
( 1 ) الحاقة : 42 38 .
( 2 ) محمد : 24 .
( 3 ) النساء : 82 .
( 4 ) يونس : 57 .
( 5 ) الاسراء : 88 .
( 6 ) الاسراء : 89 .
( 7 ) النور : 34 .
( 8 ) الحشر : 21 .