لأنفسنا ووفق حاجات عصرنا ، وإن فعلوا شرا فلأنفسهم ، وعلينا إلا نعمله ونبرر ذلك بأنهم فعلوه ، إذ قد يكون الذي عملوه في عصرهم خيرا لأنفسهم وهو شر بالنسبة إلى واقعنا ، من هنا قال الله لنا بصراحة : تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ من خير أو شر وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ بل إنما تسألون عما تعملون أنتم ، ولذلك يجب أن تستقلوا في تفكيركم ، وفي أعمالكم ، مادمتم أنتم مجزيين بذلك دون غيركم .
[ 142 ] والسفهاء وحدهم يزعمون أن الواقع يجب أن يبقى بحجة أنه الحق . كلا ، إذ قد يكون الواقع حقًّا بالنسبة إلى عصر دون عصر ، وقداسة القبلة ليست بسبب أن الله موجود في مكان القبلة . بل لأن الله أمر بذلك ، يقول الله تعالى : سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنْ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمْ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا زاعمين أن الواقع السابق للأمة حيث كانوا على قبلة معينة ، يجب أن يظل قائما ، كلا .
قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ إذ الصراط المستقيم في العمل هو : وجه الله سبحانه ، وليس التوجه إلى المشرق والمغرب .
[ 143 ] والتوجه إلى الكعبة لم يشرع في الإسلام ، إلا لكي يجعل الله من المسلمين أمة متميزة عن الأمم الأخرى ، ورقيبة على مدى تطبيق سائر الأمم لتعاليم الله ، في الحق والحرية ، والعدالة الاجتماعية ، ولو كانت الأمة متجهة إلى قبلة أهل الكتاب لم تكن قادرة على توجيه مشركي العرب المعتقدين بالكعبة ، كما أنها لم تكن تستطيع توجيه اليهود والنصارى الذين كانوا يزعمون أنفسهم - آنئذ - أصحاب القبلة ، ويعتقدون أن المسلمين مجرد أتباع لهم ، لذلك قال الله تعالى : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً هداكم الله إلى صراط مستقيم هو : الصراط الوسط بين تطرف الناس ذات اليمين وذات الشمال ، بين تطرف اليهود إلى المادية وتطرف النصارى إلى الرهبانية ، بين الحرية الفوضوية وبين الاستبداد الغاشم ، بين ظلم الفرد للجماعة ، وظلم الجماعة للفرد ، والهدف من الأمة الإسلامية أن تكون شاهدة على مسيرة الأمم الأخرى .
لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ماذا يعني الشهداء على الناس ؟
لعله يعني أن تكونوا موجِّهين لهم نحو مبادئ الرسالة ، بمثل ما يكون الرسول شهيدا عليكم وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً المسؤولية ذاتها التي يتحملها الرسول تجاهكم ، يجب عليكم أن تتحملوها تجاه الأمم الأخرى ، وفي مناسبات أخرى تحدث القرآن عن مسؤوليات الرسول تجاه أمته وعلينا مراجعتها لنعرف مسؤولياتنا تجاه الأمم الأخرى .
إذن من أبعاد الوسطية التوسط بمعنى الشهادة والقيام بالرسالة بين الناس والرسول ،
من هدى القرآن — صفحة 247
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٤٧