تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ .
ثم يحدثنا عن أن القبلة ليست مقدسة بذاتها بل لأن الله أمر بتكريمها . وإذا غَيَّر الله القبلة زالت قداسة القبلة الأولى ، وليس لله سبحانه حلول في القبلة حتى تقدس تقديسا دائما .
وبَيَّن مدى العلاقة بين القبلة وشخصية الأمة التي جعلتها مهيمنة على سائر الأمم وشاهدة عليها تراقب مدى تطبيقها لقيم الحق .
وأما القبلة السابقة فكان تشريعها بهدف محدد ومحدود ، هو : اختبار مشركي قريش لمعرفة مدى صدقهم في قبول رسالة الله التي تدعوهم إلى اتباع قبلة أعدائهم اليهود .
إذ القبلة التي شرعت للأمة هو المسجد الحرام ، الذي له كرامة يعرفها أهل الكتاب ولكنهم يكتمون الحق ، انطلاقا من أهوائهم وتفكيرهم العنصري الضيق .
ولقد كان الأحرى بهم أن يطبقوا كتابهم على أنفسهم ، لا أن يحرفوا الكتاب حسب أهوائهم . وبالرغم من أن قبلتك حق لا ريب فيه ، فلا يعني ذلك أن تتورط الأمة في العنصرية ، وتزعم أنها بمجرد التوجه إلى القبلة الحق تكون هي أكرم عند الله من غيرها .
كلا ، إن هذه شعائر ظاهرية لا أكثر ، ومقياس الكرامة هو التسارع إلى الخيرات ، فمن كان أسبق الناس إلى الخير كان أكرم عند الله ، وبعد أن يؤكد القرآن التوجه إلى المسجد الحرام يحذر الأمة من الضعف أمام الأعداء أو الخشية منهم ، لأن من كان مع الحق يجب ألَّا يخشى أحدا .
بينات من الآيات :
الانفصال نقطة الانطلاق
[ 141 ] وضمن هذا الإطار الفكري ، بَيَّن القرآن الحكيم حقيقة هامة هي أننا ومن أجل أن نبني حياة جديدة علينا أن ننفصل نفسيًّا من التأثر بالواقع المعاش ، بالرغم من أن للواقع القائم ثقلا هائلا ، وضغطا نفسيًّا واجتماعيًّا كبيرا ، ولكي يبين لنا القرآن أنكم أمة جديدة ذات قبلة جديدة ، ذكر لنا سلفا أن كل أمة لها دورها التاريخي ، وواقعها الخاص بها ، وعلى الأمم الأخرى أن تستقل عنها ، وأن تبني حياتها وفق احتياجاتها وظروفها ، ذلك أن الله لا يسألنا عما فعل الآخرون بقدر ما يسألنا عما فعلنا نحن ، فإن فعلوا خيرا فلأنفسهم ، وعلينا أن نعمل الخير
من هدى القرآن — صفحة 246
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٤٦