ومن ثم تأتي مرحلة الخرافة المتمثلة في السحر والشعوذة .
حيث أن الأمة العنصرية تنغلق على ذاتها . . ( وقالوا قلوبنا غلف ) وتبتعد عن توجيهات الله ، وعن سنن التأريخ ، وتجارب الناس ، وتستكبر على الحق وليس أمامها بعدئذ إلا الهبوط إلى حضيض السحر والشعوذة .
فيتناول القرآن الحكيم هذه المرحلة بإيجاز فيبدأ بالحديث عن ترك بني إسرائيل للكتاب ليبين الله أنه السبب في تشبثهم بالسحر . لأن من لا يمتلك تفسيرا صحيحا للحياة ورؤية علمية إلى أهدافها ، يضطر إلى البحث عن تفسيرات غيبية ورؤى باطلة .
وحيث يتحدث عن السحر ينفي القرآن قصة مختلقة من بني إسرائيل تزعم أن السحر من الله ، وينهي الحديث ببيان أن التمسك بالكتاب أفضل لهم من التشبث بالسحر .
بينات من الآيات :
[ 101 ] وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ .
حينما يكذب الإنسان بحق يعرف صدقه ، فإنه بمثابة تكذيب الحق كله . لأن الإيمان يعني التسليم بالحق أنّى كان . أما تصديق حق دون آخر والإيمان ببعض الكتاب والكفر بالآخر فإنه بمثابة الكفر به جميعاً . إذ أن معيار الاقتناء آنئذٍ يكون الهوى ، وحتى القسم الذي يؤمن به هؤلاء من الحق فإنما يتبعونه لموافقة ذلك القسم لأهوائهم ، وهذا ليس من الإيمان في شيء .
وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وكان ينبغي أن يؤمنوا به إذا كان إيمانهم بالله سبحانه هو معيار إيمانهم بالرسول . ذلك أن روح تلك الرسالة التي زعموا أنهم قد آمنوا بها هي ذات الروح التي يجدونها في هذه الرسالة ، لأن الرسول مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ من الكتاب ، ولكنهم لم يفعلوا وإنما نَبَذَ فَرِيقٌ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ فكفروا بهذا الكتاب وبما عندهم ، لأنهم كفروا بما جاء من عند الله فكأنهم كفروا بالله سبحانه وتعالى . ثم إنهم جعلوا علمهم جهلا حين لم يعملوا به ولم يتخذوه معياراً لإيمانهم كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ .
[ 102 ] نستلهم من هذه الآية الكريمة بصائر شتّى :
أولًا : بما أن الابتلاء سنة إلهية عليا ، وهدف أساس لخلق الإنسان في هذه الدنيا ، فإن الحق والباطل يتقابلان على صعيد واحد أبداً ليختار من يريد الحق بوعي ورشد وليهلك من
من هدى القرآن — صفحة 217
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢١٧