تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠
قوله لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ - والاستيقان ثم العوام الذين قلدوهم ونبَّه على أنهم في الضلال سواء ] « 1 » . وفي تفسير غريب القرآن : [ أي لا يعلمون الكتاب إلا أن يحدثهم كبراؤهم بشيء فيقبلونه ويظنون أنه الحق وهو كذب ، ومنه قول عثمان : [ ما تغنيت ولا تمنيت ] أي ما اختلقت الباطل ] « 2 » . ولكن يبدو أن الآية تتحدث أساسا عن الأميين وكيف أنهم يعيشون على الأماني والظن . وعلى هذا يحتمل أن تكون الأمنية من أنفسهم والظن بسبب التقليد ، أو أن تكون الأماني بمعنى التلاوة عليهم ، كما نقل أنه أحد معاني هذه الكلمة ، وانشدوا :
تمنى كتاب الله أول ليلة * وآخره لاقى حمام المقادير
ولأن القرآن يفسر بعضه بعضا ، فإن السياق القرآني القادم أوضح بيان لهذه الكلمة . حيث يقول ربنا سبحانه وتعالى : وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَاتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [ البقرة : 80 ] ، إن تفسير الكتاب وفق ما يتمنونه ، أو بتعبير آخر : حمل آيات الكتاب على آرائهم الموافقة لأهوائهم ، وبالذات فيما يرتبط بتبرير فسادهم وخداع أنفسهم بأن العذاب لا يشملهم لأنهم أبناء الله وأحباؤه ، أو لأنهم من أولاد الأنبياء الكرام أو ما أشبه ؟ والواقع يعتبر هذا أوضح معاني الأمنية . ومن هنا نعرف بلاغة التعبير القرآني ، حيث يقول ربنا سبحانه وتعالى : لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وكأنهم يعلمون فقط أماني الكتاب ، أو هكذا يفسرونه حسب أمانيهم . وفي معنى هذا ، آيات أخرى : قال الله سبحانه : وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ [ البقرة : 111 ] . لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ [ النساء : 123 ] والأماني التي يخدع بها هؤلاء أنفسهم هي التي يفضحها السياق القرآني في الآيات الآتية .
هامش
( 1 ) الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل ، الزمخشري ، ج 1 ، شرح ص 292 . ( 2 ) تفسير غريب القرآن لابنه قتيبة : ص 53 .