التدبر والتطبيق القرآني
أكبر فائدة يغتنمها المتدبر في كتاب الله هي تزكية نفسه وبناء شخصيته . حقًّا إننا لا نكون ذوي شخصية مثالية من الولادة ، وحقًّا إن تربيتنا كانت منطوية على الكثير من السلبيات ، فمن يا ترى مسؤول عنا بعد أن كبرنا ؟ ومن ذا يخسر إن بقينا هكذا ؟ من المؤكد أننا بحاجة إلى تربية ، ولكن من الذي يربينا ؟ القرآن أفضل وسيلة لتربية نفوسنا ؟ لذلك وجب أن يعرض كل شخص نفسه على القرآن ، ليعرف انحرافاته .
والعقبة التي تعترض طريق التربية الذاتية ، قد تكون عدم اقتناع الفرد بأنه المعني بالتوجيه ، بل يزعم كل شخص أن غيره فقط هو المقصود ، أما هو فيجعل نفسه مقدسا عن شمول التعاليم له ، هنا لابد أن يتجاوز الفرد هذه العقبة بالإيحاء الذاتي بأنه معني مباشرة بهذه التعاليم ، وأن كل قصة يجد مثالها في نفسه إذا عمل ما عمله بطل القصة ، وأن كل مثل يجد تطبيقه في ذاته إذا جسد مغزاه ، وأن كل ثواب سوف يناله هو إن عمل الخير وأن كل عقوبة ستحيط به إن اقترف خطيئته ، وهكذا يجعل من نفسه محوراً لآيات الكتاب ليتمكن من تربية ذاته وتزكيتها .
من هنا جاء في الحديث ، عن الإمام الصادق عليه السلام :
[ وَكَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله يَقْرَأُ أَحَدُهُمُ الْقُرْآنَ فِي شَهْرٍ أَوْ أَقَلَّ . إِنَّ الْقُرْآنَ لَا يُقْرَأُ هَذْرَمَةً وَلَكِنْ يُرَتَّلُ تَرْتِيلًا ، فَإِذَا مَرَرْتَ بِآيَةٍ فِيهَا ذِكْرُ الْجَنَّةِ فَقِفْ عِنْدَهَا وَسَلِ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ الْجَنَّةَ ، وَإِذَا مَرَرْتَ بِآيَةٍ فِيهَا ذِكْرُ النَّارِ فَقِفْ عِنْدَهَا وَتَعَوَّذْ بِالله مِنَ النَّارِ ]
« 1 » .
هذا عن الثواب والعقاب ، أما عن القصص التاريخية فكيف يمكن تزكية النفس في ضوئها . يقول الإمام الصادق عليه السلام :
[ عَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ آيَةً نَجَا بِهَا مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَاعْمَلُوا بِهِ وَمَا وَجَدْتُمُوهُ مِمَّا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَاجْتَنِبُوهُ ]
« 2 » ، بهذه الكيفية نستطيع كشف
هامش
( 1 ) الكافي : ج 2 ، ص 614 .
( 2 ) بحار الأنوار : ج 82 ، ص 43 .