التدبر والواقع الخارجي
إن من يهدف تفهم القرآن ، يجب أن يجعله حيًّا نابضا بالحركة ، وذلك عن طريق تطبيق آياته الكريمة على الواقع الخارجي .
إن لآيات القرآن أهلًا تصدق عليهم في كل عصر ، فآية المتقين لها تطبيق حي كما لآية الفاسقين ، فلابد أن يبحث الفرد عن هؤلاء كلما تدبر في القرآن . وهنا يتحول الكتاب المبين إلى منهاج عمل ليس هذا فحسب بل ويهدي الإنسان إلى حقائق كثيرة لأنه يساعد الفرد على فهم الأحداث المعروفة ، ويكون مثله آنئذ مثل المرشد في متحف للآثار . كيف لا تفيد رؤية المتحف من دونه كما لا يغني إرشاده دون رؤية الآثار .
وهذا هو السبب في أن المعاصرين لنزول الوحي كانوا يفقهونه حتى كادوا يكونون أنبياء من سعة العلم ونضوج الفقه ، ذلك لأنهم كانوا يتلقون الوحي في حمى الأحداث اليومية ، لأن القرآن نزل مع الأحداث الرسالية يوما بيوم ، وقد علل القرآن ذاته نزوله التدريجي بتثبيت آياته فقال : لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا « 1 » . فإذا شئنا تفهم الكتاب فلا بد أن نعرض عليه الأحداث اليومية ، ليكشف لنا حقائقها الكامنة . جاء في الحديث عن الإمام علي عليه السلام قال :
[ سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وآله يَقُولُ : أَتَانِي جَبْرَئِيلُ ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ سَيَكُونُ فِي أُمَّتِكَ فِتْنَةٌ . قُلْتُ : فَمَا الْمَخْرَجُ مِنْهَا ؟ فَقَالَ : كِتَابُ الله فِيهِ بَيَانُ مَا قَبْلَكُمْ مِنْ خَيْرٍ ، وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ ، وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ ، وَهُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ . . . ]
« 2 » . في هذا الحديث : أمر الله بعرض الفتنة على القرآن لمعرفة حكم الله فيها ، وهو نوع من تطبيق القرآن على الحياة الواقعية . وفي حديث آخر قال رسول الله صلى الله عليه وآله :
[ فَإِذَا الْتَبَسَتْ عَلَيْكُمُ الْفِتَنُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ فَعَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ فَإِنَّهُ شَافِعٌ مُشَفَّعٌ وَمَاحِلٌ مُصَدَّقٌ ]
« 3 » .
هامش
( 1 ) الفرقان : 32 .
( 2 ) بحار الأنوار : ج 89 ، ص 24 .
( 3 ) الكافي : ج 2 ، ص 598 .