التقليد ، وقد اعتمد عليه حتى من ناقش في الأدلّة المتقدّمة ، قال المحقّق العراقي : « ولا يخفى أنّ عمدة المستند على لزوم التقليد بالنسبة إلى المقلِّد العامي ، هو الأمر الجبلّي الفطري الارتكازي في نفوس عامّة الناس على لزوم رجوع الجاهل بالوظيفة إلى العالم بها » « 1 » .
ولكن دلالة السيرة على الجواز إنّما تتمّ إذا لم تكن هناك أدلّة رادعة عن المعصومين عليهم السلام ؛ لأنّه إذا رُدِع عنها سقطت عن الحجيّة والكلام في وجود الرادع عن السيرة وعدمه .
الآيات الناهية عن التقليد :
قد يقال : إنّ هناك آيات رادعة عن السيرة ، وهي الآيات الناهية عن التقليد ، مثل :
- قوله تعالى : « وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَايَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلَا يَهْتَدُونَ » « 2 » .
- وقوله تعالى : « وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلَا يَهْتَدُونَ » « 3 » .
فهاتان الآيتان تعيّران الذين قالوا بأ نّهم يقلِّدون آباءهم ، فتدلّان على عدم كون التقليد مرضيّاً عند الشارع المقدّس .
ولكن لا دلالة لهما على المدّعى ؛ لأنّ الآيتين إنّما تدلّان على نهي الأبناء عن تقليد الآباء الذين هم مثلهم من حيث العلم في الأُمور الاعتقاديّة التي لا يشرع فيها التقليد ، كما يأتي في محلّه .
في حين أنّ المدّعى هو عدم جواز تقليد العامي للمجتهد المتخصّص في الأحكام الفرعيّة الفقهيّة ، وأين هذا من ذاك ؟ « 4 » إذن لم تتمّ رادعيّتهما عن السيرة ، فهي تكون حجّة .
ما هو نوع الجواز في جواز التقليد ؟
القدر المتيقّن ممّا تدلّ عليه الأدلّة المتقدِّمة إنّما هو جواز التقليد بمعناه العام الشامل للوجوب والاستحباب والإباحة والكراهة ، والآن نريد أن نرى ما هو مقدار الجواز ، هل هو على نحو الوجوب أو غيره ؟
ولتوضيح ذلك نذكر ما قاله الفقهاء في كيفيّة حصول العلم بالتكليف ، فنقول :
كلّنا نعلم بثبوت تكاليف إلزاميّة ، على نحو الوجوب أو التحريم في ذمّتنا ، والعقل يحكم - لقاعدة : أنّ الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني - بلزوم الخروج عن عهدة هذه التكاليف الإلزاميّة .
هامش
( 1 ) نهاية الأفكار 4 / القسم الثاني : 241 .
( 2 ) المائدة : 104 .
( 3 ) البقرة : 170 .
( 4 ) أُنظر التنقيح ( الاجتهاد والتقليد ) : 90 - 91 .