الصورة الثانية :
الاعتقاد بأنّ الكواكب والأجرام العُلويّة لها التأثير في العالم السفلي - أي الأرضي - ولكنّ اللَّه سبحانه هو المؤثّر الأعظم ، كإسناد الرزق والإحياء والإماتة وغيرها إليها ، مع كونه تعالى هو المؤثّر الأعظم .
اختلف الفقهاء في حكم القائل بذلك والمعتقد به :
- فقيل بكفره « 1 » ، ولعلّ وجهه : أنّ إسناد الأفعال الّتي دلّت الضرورة الشرعيّة على استنادها إلى اللَّه تعالى - كالخلق والإحياء والإماتة والرزق - إلى غيره تعالى مخالف للضرورة .
- وقيل بعدم كفره ، « ولعلّ وجهه : أنّ الضروري هو عدم جواز نسبة تلك الأفعال إلى فاعل مختار باختيار مستقلٍّ مغاير لاختيار اللَّه ، كما هو ظاهر المفوِّضة .
أمّا استنادها إلى الفاعل بإرادة اللَّه ، المختار بعين مشيّته واختياره حتى يكون كالآلة بزيادة الشعور وقيام الاختيار به - بحيث يصدق أنّه فعله وفعل اللَّه - فلا ؛ إذ المخالف للضرورة إنكار نسبة الفعل إلى اللَّه تعالى على وجه الحقيقة ، لا إثباته لغيره أيضاً بحيث يصدق : أنّه فعله » .
كذا قال الشيخ الأنصاري ، ومال إليه ، حيث قال : « وبالجملة فكفر المعتقد بالربط على هذا الوجه الثاني لم يظهر من الأخبار ومخالفته لضرورة الدِّين لم يثبت أيضاً ، إذ ليس المراد العلّيّة التامّة » « 2 » .
وممّن قال بعدم كفره الشهيد الأوّل في القواعد « 3 » .
الصورة الثالثة :
الاعتقاد بأنّ الأوضاع الفلكيّة ومواقع النجوم علامات على وقوع بعض التغيّرات في الأرض من دون اعتقادٍ بالسببيّة بينها ، مثل دلالة نبض الإنسان على بعض أحوال بدنه من الصحّة والمرض « 4 » .
وليس في هذا الفرض اعتقاد بتأثير الأوضاع الفلكيّة على ما يحدث في الأرض ، لا على نحو الاستقلال ، ولا على نحو الاشتراك .
ويبدو أنّ هذه الصورة لم يصرّح أحد بكون المعتقد بها كافراً كما قال الشيخ الأنصاري « 5 »
هامش
( 1 ) ممّن قال بكفره ، أو يظهر منه ذلك : العلّامة في المنتهى 15 : 390 ، وفيه : « التنجيم حرام ، وكذا تعلّم النجوم مع اعتقاد أنّها مؤثرة ، أو أنّ لها مدخلًا في التأثير بالنفع والضرر » وهو ظاهر كلام المحقّق الثاني ، والشيخ البهائي ، والمحقّق الأردبيلي ، وصاحب الوسائل ، كما تقدّمت كلماتهم في الصفحة 364 و 365 . 4
( 2 ) المكاسب 1 : 216 - 218 .
( 3 ) أُنظر القواعد والفوائد 2 : 35 .
( 4 ) في جعل مورد المثال خارجاً عن قاعدة السببية تأمّلٌ .
( 5 ) المكاسب 1 : 221 .