وأمّا لو علم المكلّف بالخلاف وأنّ الحاكم قد أخطأ ، فالعمل على طبق حكمه ، وسقوط الواجب عن الذمّة مشكلٌ .
نعم قالوا : يمكن إرجاع ذلك إلى الخلاف في الحكم ، بأن يقال : إن كان في مذهب المخالف يجب اتّباع حكم الحاكم حتّى مع العلم بكونه مخالفاً للواقع ، فعندئذٍ يدخل هذا المورد في القسم الأوّل وهو التقيّة في الأحكام ، ويشمله حكمه أيضاً .
واستدلّوا على الإشكال في الإجزاء مع العلم بالخلاف بإفطار الإمام الصادق عليه السلام عند السفّاح تقيّة مع علمه بالخلاف ، ثمّ قوله عليه السلام :
« إفطاري يوماً وقضاؤه أيسر عليَّ من أن يضرب عنقي ولا أعبد اللَّه » « 1 » .
المبحث الثالث - هل يحكم بصحّة العمل المؤتى به خلافاً للتقيّة ؟
إذا وجب إتيان الفعل على وجه التقيّة ، فلا إشكال في حرمة مخالفتها ، وإتيان العمل على طبق المذهب ؛ لأنّ ذلك مستلزم لمخالفة أوامر التقيّة .
لكن يبقى البحث عن صحّة العمل المؤتى به خلافاً للتقيّة ، فقد اختلفت وجهات النظر فيها على أقوال :
- القول بالصحّة مطلقاً .
- والقول بالبطلان مطلقاً .
- والقول بالتفصيل .
أوّلًا - القول بالصحّة مطلقاً :
يظهر من بعض الفقهاء القول بصحّة العمل في الصورة المتقدّمة مطلقاً من دون تفصيل بين موارد التقيّة .
وممّن يظهر منه ذلك الشهيد الأوّل حيث قال بالنسبة إلى التكتّف في الصلاة : « ولو ترك الوضع عند التقيّة ، فكترك الغَسْل في مسح الوضوء ، وقد سلف : وأولى هنا بالصحّة ؛ لأنّه خارج عن الصلاة ، بخلاف الغسل والمسح ، فإنّ الجزئيّة محقّقة فيهما فيتحقّق النهي عن العبادة في الجملة ، والأقرب هنا الجزم بعدم البطلان » « 2 » .
وممّن يظهر منه القول بالصحّة مطلقاً الإمام الخميني حيث قال : « لو ترك التقيّة وأتى بالعمل على خلافها ، فمقتضى القواعد صحّته » « 3 » .
ثمّ وجّهه : بأنّ العمل قد أُتي به وفقاً للمأمور به الواقعي ، وأوامر التقيّة لا توجب النهي عنه ؛ لأنّ الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن ضدّه ، وأنّ النهي عن عنوان لا يسري إلى العنوان الآخر حتّى ولو اجتمعا « 4 » .
ويظهر من بعض المعلّقين على العروة القول
هامش
( 1 ) الوسائل 10 : 132 ، الباب 57 من أبواب ما يمسك عنهالصائم ، الحديث 5 .
( 2 ) أُنظر الذكرى 3 : 296 .
( 3 ) أُنظر الرسائل ( للإمام الخميني ) 2 : 186 .
( 4 ) أُنظر المصدر المتقدّم نفسه .