كما لا يعقل حمل الوجود على زيد الموجود ، بأن يقال : زيد الموجود موجود ، لاستلزامه حمل الشيء على نفسه .
والهدف من بيان هذه المقدّمة هو إثبات الطولية بين خطابي الأهم والمهم ، وبيان ذلك هو :
أنّ خطاب الأهم في حدّ ذاته يكون مقتضيا لطرد خطاب المهم « 1 » ؛ لأنّ الأهم لا يتحقّق إلّا بعدم تحقّق المهم ، فلذلك يكون خطاب الأهم متعرّضا لموضوع خطاب المهم ، بمعنى أنّه يكون طاردا له ؛ لأنّ الخطاب بالأهم الذي هو بعث نحوه يقتضي الزجر عن تركه الملازم لوجود المهم .
أمّا خطاب المهم فليس كذلك ، لأنّه لا تعرّض له لخطاب الأهم ، ولا لعصيانه ، فإنّ البعث نحو المهم لا يقتضي ترك الأهم ، نعم هو يقتضي إيجاد متعلّقه على تقدير عصيان خطاب الأهم .
إذن يستفاد من هذه المقدّمة والمقدّمة الثانية أنّ الخطابين المترتّبين على الأهم والمهم إنّما يكونان طوليين .
المقدّمة الخامسة : ذكر هذه المقدمة - كما قال - لتشخيص محلّ الكلام في بحث الترتّب
، وإثبات أنّ القول بالترتّب لا يترتّب عليه محذور طلب الجمع بين الضدّين .
وقد أطال في هذه المقدّمة أيضا ، وذكر تشقيقات كثيرة ، ثمّ حصر بحث الترتّب فيما إذا كان أحد الخطابين رافعا لموضوع الآخر بامتثاله ، لا بخطابه ، ويكون المطلوب فيه في الحقيقة هو هدم موضوع الخطاب الآخر ، فهو الذي وقع الكلام فيه جوازا وامتناعا ، باعتبار أنّ توجّه خطابين كذلك إلى مكلّف واحد في زمان واحد ، يستلزم طلب الجمع بين الضدّين ، أو لا يستلزم ؟
ثمّ استدلّ على عدم استلزام الترتّب لطلب الجمع بين الضدّين ببرهانين :
الأوّل - البرهان الإنّي :
وهو الذي يتوصّل فيه من المعلول إلى العلّة .
فذكر في هذا البرهان : أنّ هناك جملة من الفروع الفقهية المتسالم عليها عند الأصحاب ، لا يمكن إنكارها ، ولا يمكن تصحيحها إلّا عن طريق الالتزام بالترتّب .
ومن جملة تلك الفروعات : ما إذا حرمت الإقامة على المسافر في مكان ما لسبب ما ، ككونه مظنّة للخطر على النفس مثلا ، فإنّه مع كونه مكلّفا فعلا بترك الإقامة ، وإمحاء موضوع وجوب الصوم - الذي هو الإقامة ، أو الحضر على اختلاف المبنيين - فهو مكلّف في نفس الوقت بالصوم أيضا ، لكن على تقدير قصده الإقامة عصيانا وعدم سفره
هامش
( 1 ) أي لم يكن خطاب الأهم مقيّدا بعدم المهم ، لا على نحو التقييد اللحاظي ولا على نحو التقييد الذاتي ، بل إنّ نفس خطاب الأهم يكون مقتضيا لعدم المهم .