من بعده « 1 » .
[ الأمر ] الثالث - الإجماع
وقد حصل بعد أمر عمر بإقامتها جماعة وعدم إنكار أحد عليه « 2 » ، حتى علي بن أبي طالب عليه السّلام ، بل قال - على ما رووه - : « نوّر اللّه على عمر قبره كما نوّر علينا مساجدنا » « 3 » .
هذا عمدة ما استدلّوا به على أفضليّة الجماعة في التراويح من الفرادى فيها .
ويرى بعض فقهاء أهل السنّة : أنّ أصل نافلة شهر رمضان والجماعة فيها مشروعة ، لكن إتيانها بالكيفيّة الخاصّة وبالعدد الخاصّ بدعة ، لأنّه لم يثبت ذلك من النبي صلّى اللّه عليه وآله .
جاء في سبل السلام - بعد ذكر رواية عن جابر بن عبد اللّه ، متقاربة مع رواية عائشة المتقدّمة - : « واعلم أنّ [ الذي ] أثبت صلاة التراويح وجعلها سنّة في قيام رمضان استدل بهذا الحديث على ذلك ، وليس فيه دليل على كيفيّة ما يفعلونه ولا كميّته ، فإنّهم يصلّونها جماعة عشرين ، يتروّحون بين كلّ ركعتين ، فأمّا الجماعة ، فإنّ عمر أوّل من جمعهم على إمام معيّن ، وقال : إنّها بدعة - إلى أن قال - :
وأمّا قوله : " نعم البدعة " فليس في البدعة ما يمدح ، بل كل بدعة ضلالة . . . » « 1 » .
وقال الشوكاني : « والحاصل : أنّ الذي دلّت عليه أحاديث الباب وما يشابهها هو مشروعيّة القيام في رمضان ، والصلاة فيه جماعة وفرادى ، فقصر الصلاة المسمّاة بالتراويح على عدد معيّن ، وتخصيصها بقراءة مخصوصة لم ترد به سنّة » « 2 » .
وقفة مع الاستدلالات المتقدّمة :
لسنا بصدد نقد ما ذكروه من الاستدلالات فعلا ، لكنّنا نحبّ التنبيه على أمور :
أوّلا - أنّ القدر المتيقّن من الروايات المرويّة بطرق الإماميّة عن أهل البيت عليهم السّلام ، وعن طرق غيرهم : أنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله صلّى النافلة في بعض ليالي شهر رمضان في المسجد ، والمستفاد من
هامش
( 1 ) انظر السنن الكبرى ( للبيهقي ) 10 : 114 .
( 2 ) روي عن أبي يوسف ، قال : « سألت أبا حنيفة عن التراويح وما فعله عمر ، فقال : التراويح سنّة مؤكّدة ، ولم يتخرّص عمر من تلقاء نفسه ، ولم يكن فيه مبتدعا ! ولم يأمر به إلّا عن أصل لديه وعهد من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، ولقد سنّ عمر هذا وجمع الناس على أبيّ بن كعب فصلّاها جماعة والصحابة متوافرون من المهاجرين والأنصار وما ردّ عليه واحد منهم ، بل ساعدوه ووافقوه وأمروا بذلك » البحر الرائق 2 : 117 .
أقول : إن قوله : « ولم يكن فيه مبتدعا » مخالف لما صرّح به عمر نفسه .
( 3 ) المغني لابن قدامة 1 : 800 ، وشرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد 12 : 287 .
1 سبل السلام بشرح بلوغ المرام 2 : 20 .
2 نيل الأوطار 3 : 64 .