الصورة الثالثة - أن لا يدلّ دليل على كون الشيء من الدين ، ولا على عدم كونه منه ، لا عموما ولا خصوصا ، بل يكون دخوله في الدين وعدمه مشكوكا ؛ لعدم الدليل على النفي والإثبات .
وهذا الفرض وإن كان بعيدا ؛ لوجود الأصول العامّة التي تقرّر حكم المجهول ، لكن فرضه ليس مستحيلا .
وبناء على ذلك ، لو شكّ الإنسان في كون الشيء من الدين أم لا ، والتزم بكونه من الدين ، فقد أدخل في الدين ما ليس منه .
الحاصل : أنّ كلّ ما علم كونه من الدين بدليل خاصّ أو عامّ ، فأخرج منه ، أو علم بخروجه منه كذلك ، فأدخل فيه ، فهو بدعة ؛ لشمول التعريف المتقدّم له . سوف نشير إلى بعضها في خاتمة البحث .
الفرق بين الإبداع والتشريع والاختراع :
الإبداع بمعنى إيجاد البدعة يشمل مجالي العقيدة والتشريع ، وأمّا التشريع فهو يختصّ بمجاله ، فلا يصطلح في مجال العقيدة .
فالذي يوجد عقيدة حادثة لم تدلّ عليها الأدلّة ، لا العامّة ولا الخاصّة ، فهو مبدع ، ولا يصدق عليه أنّه مشرّع ، لكن الذي يلتزم بوجوب ما لم تدلّ عليه الأدلّة يصدق عليه أنّه مبدع ومشرّع ؛ ولذلك يطلق الفقهاء مصطلح « التشريع » بدل « البدعة » ويريدون بهما معنى واحدا وهو : الإدخال في الدين ما ليس منه .
وأمّا الاختراع ، فهو : أن يخترع الإنسان عبادة أو عقيدة من دون أن يسندها إلى الشريعة الإسلاميّة « 1 » .
هل يتوقّف صدق البدعة على قصد التشريع ؟
تكلّم المتأخّرون عن لزوم إضافة قيد « بقصد التشريع » إلى التعريف المتقدّم ، فتكون البدعة في مجال التشريع : « إدخال ما ليس من الدين فيه بقصد التشريع » .
وبناء على ذلك لا يكون مطلق الإدخال في الدين تشريعا وبدعة ، بل الادخال المقرون بقصد أنّه من الدين .
وللنراقي نقاش في هذا الموضوع ، وهو : أنّ الذي يعلم أنّ شيئا - كعبادة مثلا - ليس من الدين فكيف يأتي به بقصد أنّه من الدين ؟ نعم ، يمكن أن يلزم نفسه أو غيره بإتيانه بعنوان أنّه من الدين .
قال بعد البحث في ذلك : « والتحقيق : أنّ كلّ فعل لم يثبت من الشرع لا يمكن الإتيان به باعتقاد أنّه من الشرع ، ولكن يمكن فعله بإزاء أنّه من الشرع ، أو جعله شرعا ، وهو تشريع وإدخال في الدين وإن لم يعتقده المتشرّع ، وهذه هي البدعة » « 2 » .
ثمّ قال : « وبالجملة : المناط في الابتداع
هامش
( 1 و 2 ) انظر كشف الغطاء : 53 .